10/16/2016


قراءة في قرار "اليونسكو" بشأن إسلاميَّة المسجد الأقصى





قراءة في قرار "اليونسكو" بشأن إسلاميَّة المسجد الأقصى

أ.محمد الناجي



تلقَّى المسلمون بفرحةٍ واهتمامٍ تصويتَ المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، لصالح مشروع القرار العربي الذي يؤكد أن المسجد الأقصى بكامِلِه، موقعٌ إسلاميٌّ مقدَّسٌ مخصَّصٌ لعبادةِ المسلمين، وينفي القرار أي ارتباط أو صلة تاريخية لليهود بالمسجد الأقصى المبارك، وطالب القرار الاحتلال الصهيونيّ بالكفِّ عن انتهاكاته المتواصلة بحق الأقصى، وضرورة إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الاحتلال.

هذا القرار الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2016 في العاصمة الفرنسية "باريس" سبقه قرارٌ للمنظمةِ نفسِها بتاريخ 19 إبريل 2016 باعتماد المصطلح الإسلامي (المسجد الأقصى) ورفض المصطلح اليهودي (هيكل سليمان أو جبل الهيكل).

وتنبع أهميَّة هذا القرار وغيره من القرارات ذات الصِّلة في كونِه صادر عن منظمةٍ دوليةٍ مختصَّةٍ بالأماكن الدينيَّةِ والتراثيةِ والتاريخيةِ في العالم، وقد أصدرت تلك المنظَّمة منذ العام 1968م عشرات القرارات المؤيِّدة لإسلاميَّة المسجد الأقصى وحائط البراق، ونفي المزاعم الصهيونيَّة حول فِرْيةِ جبل الهيكل.

بينما جُنَّ جنون قادة اليهود؛ إذ ظهر ذلك جليًّا من خلال تصريحاتهم التي سارعوا فيها لإثبات حقِّهم بنصوص توراتيَّة مُزيَّفة، ومزاعم تاريخيَّةٍ باطلةٍ.

رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو –وعقب صدور القرار- قال: "مسرح العبث في اليونسكو يستمر..
اعتمدت هذه المنظمة اليوم قرارًا سخيفًا آخر يقول: إنه ليست للشعب اليهودي علاقة بجبل الهيكل وبالحائط الغربي. مندوبو الدول الأعضاء في اليونسكو لم يقرؤوا التوراة ولكن أقترح عليهم أن 

 
يزوروا باب تيتوس في روما حيث سيرون ما جلب الرومان إلى روما بعد أن دمروا ونهبوا الهيكل في جبل الهيكل قبل ألفي عام. يرون هناك على باب تيتوس؛ الشمعدان السباعي وهو رمز الشعب اليهودي ودولة اليهود العصرية منقوشًا على هذا الباب. ربما تقول منظمة اليونسكو لاحقا إن القيصر تيتوس قد مارس الدعاية الصهيونية.

الادعاء بأن ليست لإسرائيل علاقة بجبل الهيكل وبالحائط الغربي يشابه الادعاء بأن ليست للصين علاقة بالسور العظيم وبأن ليست لمصر علاقة بالأهرامات. وبهذا القرار السخيف فقدت اليونسكو الشرعية القليلة التي تبقت لها ولكنني أؤمن بأن الحقيقة التاريخية أقوى والحقيقة ستنتصر".

 
أمَّا الناطق باسم نتنياهو أوفير جندلمان؛ فقد عقّب على القرار خلال مقابلة له مع قناة
BBC قائلًا: "قرار اليونسكو الذي أنكر حقيقة ارتباطنا بمقدساتنا -جبل الهيكل وحائط المبكى- وكذَب كأنَّ إسرائيل تمنع المسلمين في الصلاة في الحرم الشريف (بينما الحرم مفتوح أمام المصلين على مدار 365 يوما في السنة) هو قرار مخزي، وعارٌ على كلِّ من صوَّت لصالحه. هذه هي أيضًا خيانة لمهمة اليونسكو وهي الحفاظ على الحضارة البشرية ومواقعها الآثارية".

بدوْره فقد سارع وزير التربية والتعليم الصهيوني نفتالي بينيت ورئيس "لجنة إسرائيل" في اليونسكو إلى تعليق كلّ نشاط مهني مع "اليونسكو" على الفور بعد تصويت لجنة المدراء التابعة للمنظّمة على القرار.

وأيًّا تكُن التداعيات أو الآثار المترتبة على هذا القرار، أو الأسباب التي دفعت منظمة "اليونسكو" لاتخاذ هذا القرار؛ فإنَّ الباحث والمحلِّل يقف أمام جملةٍ من الأمور، أهمُّها:

1-  إن طِباع اليهود لا تتغيَّر؛ فهم يقبلون بكلِّ ما يخدمُ مصالحَهم ويُثبِّت كيانَهم الغاصب، ويرفضون كلَّ حقيقةٍ دينيَّةٍ أو تاريخيَّةٍ أو قانونيَّةٍ أو سياسيَّةٍ تقضُّ مضاجِعَهم، وتُزلزلُ كيانهم الهش، وقد تجلَّى ذلك بوضوح عندما رأينا عشرات المرات قادة الاحتلال الصهيوني وهم يهرعون إلى مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدوليَّة لشكايةِ الفلسطينيين، والمطالبة بدعمٍ وتأييدٍ دوليَّيْن، وعندما أصدرت منظمة تتبع للأمم المتحدة قرارًا يتفق مع الحقائق التاريخيَّة، والوثائق الدَّامغة التي لا تقبل الزَّيْف صبَّ الاحتلال جام غضبِه على تلك المنظَّمة، ووصفها بعدم النَّزاهة أو الحياد، علاوةً على أنَّها تُمارس العبث!

2-  إنَّ هذا القرار الصادر عن منظَّمةٍ دوليَّةٍ يُثبِّت المسلمين على أرضِهم، ويُشجِّعهم على التمسُّك بحقوقهم، ولكن لا ينبغي التعويل عليه كثيرًا؛ فقد صدرت عشرات القرارات والتوصيات الداعمة للفلسطينيِّين وحقوقهم، ولكن –وبكلِّ أسف- تبقى هذه القرارات طيّ الأرفف، حبرًا على ورق، حبيسةً في أروقة المنظَّمة الصادرة عنها، لا تجد للتنفيذ أو التطبيق سبيلًا!

3-  لا يُسْتَبعد أن يكون لهذا القرار ما بعده على صعيد مطالبةِ الفلسطينيِّين بالاعتراف بكل القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة؛ إذ لا يُعْقل أن تُصفِّق لقرارٍ صادرٍ عن منظَّمةٍ دوليَّةٍ يدعم الحق الإسلامي والفلسطيني، ثم تنبذ قرارًا آخر لا يخدم مصالح الشعب الفلسطيني؛ كنبذ "الإرهاب"، والاعتراف بالكيان وشرعيَّة وجودِه على أرض فلسطين، وغير ذلك من القرارات الدوليَّة الظالمة الجائرة. 

4-  إنَّ هذا القرار هو امتدادٌ لسلسة تاريخيَّةٍ من القرارات التي تخدم القضيَّة الفلسطينيَّة؛ فقد أصدرت عصبة الأمم –قبل تأسيس هيئة الأمم المتحدة- عام 1930م قرارًا يقضي بملكيَّة حائط البراق للمسلمين، وهي تُعدُّ وثيقة تاريخيَّة يجب على المسلمين أن يتمسكوا بها، ولا يكفي التمسُّك بها، وإنما المناداة بتطبيقها.

 

 

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0