1/4/2017


صَفَحَـاتٌ مُشـرقةٌ مِن الحيـاةِ العلميَّـةِ في بيـتِ المَقْـدِس


صَفَحَـاتٌ مُشـرقةٌ مِن الحيـاةِ العلميَّـةِ في بيـتِ المَقْـدِس






الكاتب: محمود بن محمد حمدان
المقال الحاصل على المركز الثالث في مسابقة أفضل مقال في القضية الفلسطينية




لقد أتت على بيتِ المقدس أزمانٌ كانَ فيها حاضرةً مِن أعظمِ حواضِرِ العِلمِ؛ حتَّى غَدَا –لكبير قدْرِه، وعظيمِ شأنِه- مَحَطَّ رحلِ العُلماء، وموئل الطُّلاب الأجلاء.

وتنوَّعَ العطاءُ المعرفيُّ فيه، وتعددت صورُه؛ فكانت تُقامُ فيه المجالسُ والدُّروس، مبتهجةً لها النُّفوس، وتزخر مكتباتُه بنفائس المخطوطات، وبدائِعِ الأعْلاقِ الكريمات، ولسانُ حالِ النَّاظر إلى تلكم الحقبة: انظرونا نقتبس مِن نورِكم.

ولم تزل أسبابُ التوفيق تتهيَّأُ له، ولأهلِه، والواردينَ عليه؛ حتى أضحى قِبْلةَ الوُرَّاد، وكعبةَ القُصَّاد، وكأنَّه المَعْنِيُّ بقولِ الأوَّل:

فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى ** كما قرّ عينًا بالإياب المُسافر

ولقد رصدَ لنا الإرثُ العلميُّ -المطبوع منه، والمخطوط على حدٍّ سواء- بعضَ مظاهر هذه الحياة العلمية، التي نشطت حركتُها في تلكم السنين؛ دلالةً واضحةً، وعلامةً فارقةً، وبُرهانًا ساطعًا على هُويةِ بيتِ المقدس الإسلامية، وأُرُومتِـه العربيَّة، وأنه ذو قَدْرٍ عَظيمٍ في عَقيدَةِ المُسلمينَ، يَتَسابَق العظُماءُ لزيارتِه، ووَصْفِ جَلالَةِ منزلتِه، ويَستَعظِمونَ الحَديثَ عَنْه. وكذا لم تبْرَحْهُ أيدي المُسلمين وأعلامُهم على مرّ التاريخ.

ولستُ في هذه الإطلالة السَّريعة بمُحيطٍ بكُلِّ ذلك ولا بجُلّه([1])؛ وحسبي بها أن تكونَ صَفَحاتٍ مُشرقات، نقتبسُ فيها من مَعينِ ما زَبَرَتْهُ الأقلام، مِن شذا رياحين تلكم الأيام، وبساتين مَا كتبوه المُترْجِمُون الأعلام، وما دار في أروقةِ مدارسِه الفِخام، وحفظته لنا طُرر المخطوطات العربيَّة، وصُبَاباتُ الوثائق العلمية؛ لتبعثَ في نفوسنِا الأمل، وتحدو بنا للجِدِّ والعَمَل، واللهُ المُوفقُ –لا ربَّ سواه-.

وفيما هَاهُنَا شَذَراتُ الذَّهب في أخبارِ مَن ذهب، نستخلصُ مِنها العِبر في أخبارِ مَن غَبَر، ننقلُ فيها صورًا من صور العطاء، مِن:

-       علماءَ يمموا بيتَ المقدس في رَحلاتهم.

-       ومجالسَ علميةٍ أُقيمت في باحاته وعند أبوابـه.

-       ونُسخٍ خطيَّة كُتبت بمداده.

هاؤم طَرَفًا مِنها:

أولًا: عُلماء يمّموا بيت المقدس في رَحلاتهم:

عالمُ الأَنساب، الإمامُ الفَذُّ المُؤرِّخ أبو سعدٍ السمعانيُّ (ت:562هـ) مِن العلماء الذينَ أكثرُوا التَّرْحال، فكانَ بيتُ المقدس مِن أهمِّ مَحطات رَحلاته العلمية؛ لذا لم يُغفل الإشارة إلى ذلك –في كُتبه- ولو بوجيزِ عبارة! فقد أفادَ -رحمه الله- في (مُعجمِ شيُوخِه)، في ترجمةِ شيخه أبي محمد فضائل بن رضوان بن الحسن المقدسي، ثم الدمشقي، أنه: صحبَهُ من دِمشقَ إلى بيت المقدس.. ثمَّ قال –مؤرِّخًا-: ..وكتبتُ عنه ببلاد السواحل، والأرضِ المقدسة، وكان ذلكَ في ذي القَعْدَة، سنةَ خمس وثلاثين([2]).

وفي وصفِ دخوله لبيت المقدس واعتدادِه بذلك قال مُعرّفًا بـ(بَيْسَان): من بلاد الغور من الأردن بين الشام وفلسطين، ويقال: هي لسان الأرض، وبها عين الفلوس من الجنة، وهي بلدةٌ حسنةٌ بها نخلٌ كثيرة، أقمت بها يومًا في منصرفي من بيت المقدس([3]).

وقال في التّعريف بـ(حُوران): هي ناحية كبيرة واسعة، كثيرة الخير بنواحي دمشق، أقمت بها أيامًا في توجهي وانصرافي عن بيت المقدس([4]).

****

الإمامُ الفقيهُ الحافظُ المُحدِّثُ خليل بن محمد الأقفهسيُّ المصريُّ الشافعيُّ (ت:821هـ) حُبِّبَ إليه الحديثُ؛ فطلبَه، وجدَّ فيه ورحلَ؛ ومِن ذلك رحلتُه إلى بيتِ المقدس، في أوائل سنة ثمان وتسعين؛ فزارَ المسجد الأقصى، وسَمِعَ على مَن بالبلدِ مِن الشُّيوخ([5]).

****

أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ، خاتمةُ الحُفَّاظ الإمام ابنُ حَجَرٍ العسقلاني (ت:852هـ) -الذي تُغني شُهرته عن التعريفِ به- مِن العُلماءِ الأعلام، والضَّالعين الفِخام؛ الذين يمَّمُوا شطرَ بيتِ المقدس؛ بغرض العلمِ والإفادِة والسَّماع على شيُوخه والمُجاورينَ فيه؛ قال عن نفسه –رحمه الله- وهو يُعدّدُ مسموعاتِهِ ومقروءاته:

- ««الجُزء الثَّالِث من فَوَائِد إِسمَاعِيل بن الإخشيذ»؛ أخبرنَا بِهِ العَلامَة شهَابُ الدّين أَحمد بن نَاصِر الباعوني الخَطِيبُ بِبَيت المُقَدّس سَمَاعًا عَلَيهِ..»([6]).

- ««جُزْء المُسلسل بالأولية»؛ سمعتُه من لفظ الْأَئِمَّة والمُسنِدين وقرأتُه على بَعضهم، مِنْهُم: «..شمس الدِّين مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل القلقشندي»([7]). وهو مِن أعلام العلماء المقادسة، وكانَ ذلك في بيت المقدس، وكذا سمع عليه: «مجْلِس البطاقة» فيه.

ومِن جملةِ مشايخه الذي سمعَ منهم ببيت المقدس، العلامة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد بن حَامِد([8]).

وبالجُملة فإنَّ فلسطينَ عامَّةً، وبيتَ المقدس خاصةً، كانت محطّ رحل الإمام الحافظ ابن حجرٍ، ومِن أَجَلّ رَحلاته العلمية، أقامَ بها مُدَّةً، يتنقل بينَ مدنها، ويسمع من علمائها ويتعلم منهم، فلم يكتفِ –رحمه الله- بحصر رحلته الجليلة إلى فلسطين ببيت المقدس، بل تعدّاها إلى أمصارٍ عِدَّة كغزة، وغيرها مِن مُدن الأرضِ المُباركة.

فسمع في غزَّة من أحمد بن محمد بن عُثمان الخليلي([9])، وفي الرملة من أحمد بن محمد الأيكي([10])، وفي الخليل من صالح بن خليل بن سالم؛ مُتلقيًّا عن جماعة من العلماء، كلُّ واحدٍ كان رَأْسًا في فنه.

كرِّر عليَّ حديثَهم يا حادي ** فحديثُهم يَجلو الفؤادَ الصَّادي

****

وما سبقَ -وغيرُه كثيرٌ- كانَ في بابةِ رَحلات العُلماء إلى بيتِ المقدس، وتنعّمهم بالمُقامةِ فيه، وَأمَّا ما سيلي ذلك فلآلئُ علميَّةٌ، ونُسخٌ خطيَّةٌ مقدسيَّة، ذُيلت بأنها رُقِمَت في بيتِ المقدس، والمسجدِ الأقصى، أو قُرِئت عندَ أبوابه، وفي أروقتِه، ممهورةٌ بالنماذج المصوَّرة المشاهَدَة؛ لعلها تُنبئُ عن أصلِ المدينة وما كانت تزخرُ بهِ مِن أجواء علميَّة، وليسَ الخبرُ كالمعاينة، منها:

ثانيًا: ما قُرِئَ في المسجد الأقصى:

- مِن أَجَلّ ما قُرئَ بالمسجدِ الأقصى: «صحيح البُخاري»؛ فقد سَمعَه شمسُ الدِّين النذرُومي([11])، على العلامة علاءِ الدِّين أبي الحسن عليِّ بن أيوب بن منصور المقدسي (ت: 748هـ)([12])، في شهرِ رمضانَ المبارك، سنةَ (747هـ)، قبلَ وفاته بسنةٍ.

    


- في يوم السبت، رابع عشر مِن المُحرم، سنةَ (750هـ) يقرأُ الإمامُ الحافظُ سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، المعُروف بـ (ابن الملقن) (ت 804ه)، على شيخِه الحافظ العلائيِّ المقدسيِّ([13]) كتابَه المُستطاب: «جامع التحصيل في أحكام المراسِيل»، في مجالس متعدّدة بالمسجد الأقصى، والمدرسةِ الصَّلاحِيَّة من القدس.

 

 

-        وفي سنةِ (899هـ) عَرَضَ الشيخُ شمس الدِّين محمد بن حمدان بن محمَّد «المُقدِّمةَ الجزرية»، في مجلسٍ واحدٍ عندَ بابِ الحديد، مِن أبوابِ المسجد الأقصى الشريف، على تلميذِ النَّاظم([14])، الشيخ العلامة محمَّد بن عِمران الغزيّ، ثمّ المقدسي، وأجازَ له –بخطِّه- إجازةً خاصة بما قرأ، وإجازةً عامَّة.


 

 

- وكذا قرأها عليه قبلَه في نفس المكان، العلامةُ أبو الفضل عليُّ بنُ محمد بن أبي اللطف المقدسي.

- وقرأَها كذلك الشيخُ شهاب الدين أبو الفضل أحمد، وسمعَ بعضًا مِن الأحاديث المسلسلة؛ بالأولية، والمصافحة، والتشبيك، في جَمْعٍ كثير لا يُحصونَ، مِن الحلبيين، والشاميين، وأهل القدس الشريف، سنة (863هـ)، وعليها توقيعٌ بخط نزيل المسجد الأقصى ابنِ عِمران الغزي.


 

 

 

****

ثالثًا: مَا رُقِمَ في المسجدِ الأقصى مِن مُصنِّفات الأئمة الأعلام:

كتابُ: «الإصابة في [تعريف]([15]) أسماء الصَّـحابة»؛ كتابٌ موسوعيٌّ حافلٌ؛ صَنْعةُ الإمامُ الكبير ابنُ حجرٍ العسقلانيّ –تغمده الله برحمته-، يحوي شذراتٍ من أخبار الصحابة –رضي اللهُ عنهم- وسيرهم، صُنِّفَ مرتبًا حَسْب الأحرف الأبتـثيَّة لأسماء الصحابة–رضي اللهُ عنهم-.

وكانَ لهذا السِّفْر المُبارك نسخة نفيسة، رُقِمَت سنةَ (1155هـ) في المسجـدِ الأَقصى، قال ناسِخُها: «وبالله التوفيق؛ آخرُ كتاب النِّساء، مِن الإصابة؛ للشيخ العلامة حافظ العصر أبي الفضل أحمد بن حجر العسقلاني –تغمده الله برحمته- وكان الفراغ من تكملة هذا الجُزء، نهار الخميس، بعدَ صلاة العصر، في أواخر شهر رجب، من شهور سنة خمسة وخمسين، ومائة وألف، في المسجـد الأقــصى..».

 

  

****

- العلامةُ المقدسيُّ، المُحدِّثُ المُفسّر أبو سعيد، صلاح الدين خليل بن كَيْكَلَدِي العلائي، مُصنِّفٌ مُكثِرٌ مِن شاماتِ بيتِ المقدس، درَّس زمانًا في المدرسة الصلاحيَّة سنةَ (731 هـ)، وَوَلِيَ مشيخة دار الحديث السيفية بالقدس([16])، وبقيَ شيخًا لهما إلى أن قُبض في القدس سنة (761هـ)([17])، ودفن بمقبرة باب الرحمة([18]).

دبَّج بيَراعته رسالته القيّمة: «تقرير الحُكم الشَّرعي في تنفيذ الطَّلاق البدعي» -لا زالَ مخطوطًا-، سنةَ (757هـ)؛ فاجتمع في نسخة هذه الرسالة مِن النَّفاسة؛ أنها بخطِّ مُصنِّفها، وخُطّت في بيتِ المقدس –حماه اللهُ تعالى-.

 

 

 

 

وإلى هنا انتهت -على عَجَل- هذه الصفحات، وما وفّينا هذه البقعة المُباركة حقّها، غيرَ أني أختمُ بما قاله العلامة أبو عبد الله العبدريُّ تُوفي بعدَ (700هـ) في رحلتِه المشهورة:

«بيت المقدس –زاده اللهُ تعظيمًا-، وألْحَفَه مبرَّةً دائمةً وتكريما؛ مسجد الأنبياءِ وقِبلتنا قديما؛ ومطلع الأولياء يطلعهم عظيمًا فعظيما.

أحد المساجد التي إليها تُعمل المُطيّ، وتُضاعفُ الحسناتُ لكلِّ برٍّ تقيّ، مصعد نبينا –عليه السلام-، إلى مستوى يُسمعُ فيه صريرُ الأقلام، ومعراجه حين عَسْعَسَ الظَّلام، إلى مناجاةِ الملكِ العلّام، والقدسِ المُقدّسِ المُنقّى مِن الآثام، نُجْعةُ من راد، ورِيّ مَن حامَ، خَفَقَ برقُهُ فوفّقَ من شام، وتدفَّقَ وَدْقُهُ فأفرقَ ذو الهُيام؛ لو نطق مُحتجًّا لفضيلةِ الشَّام؛ لأفحمَ به العراقَ أيَّ إفحام!»([19]).

وإني لخفَّاق الجنَاحَـــين كلـــمّا *** سَرَى لك ذكرٌ أو نَسيم مُعَطَّــــر.

 

أدامَ الله على بيتِ المقدسِ فضله وعطاءه، وجعلهُ مَنارة للطالبين، بعلمه يرتوون، وبضيائِه يستنيرون، ورزقنا –بفضله-  صلاةً بمسجده قبلَ الممات، على الوجهِ الذي يُرضيه عنّا، والحمدُ لله ربّ العالمين.

 



 ([1])ومِن حسناتِ هذه المُسابقات أنَّها حفَّزت في النَّفسِ البحثَ عن مواضيعَ تتسم بالجِدَّة والأصالة –في آنٍ-؛ وبعدَ توفيق الإله لعُبيده في اختيار هذا الموضوع الذي تعدَّدت فوائده؛ تجمَّع لديَّ مادَّةٌ علميَّةٌ تصلُح أن تُفردَ في كتابٍ مُستقل، يسَّر اللهُ ذلكَ بمنِّـه وفضلِه.

 ([2])انظر: «المنتخب من معجم شيوخ السمعاني»، (ص1329)، و«التحبير في المعجم الكبير» (2/ 34) -كلاهما له-.

 ([3])انظر: «الأنساب» لعبد الكريم السمعاني (2/ 396).

 ([4])المرجع السابق، (4/ 303).

([5]) انظر: «لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ»، لابن فهد الهاشمي العلوي، (1/174).

([6]) انظر: «المعجم المفهرس»، لابن حجر العسقلاني، (ص 225).

([7]) المرجع السابق، (ص 221) –باختصار-.

([8]) انظر: «الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع»، لابن حجر العسقلاني، (ص 28).

([9]) وهو صاحبُ مسجد ابن عثمان العريق، بحيّ الشجاعية، بمدينة غزة.

 ([10])انظر: «المعجم المفهرس»، لابن حجر، (ص: 396).

([11]) انظر ترجمتُه في: «الأعلام»؛ لخير الدِّين الزِّركلي، (7/40)، وفيها: «..مِن علماء الحديث، بَقِيَ في القدس ما بينَ سنة (751هـ) إلى (767هـ) ».

([12]) انظر ترجمتُه في: «الدرر الكامنة»؛ لابن حجر العسقلاني، (4/36) وفيها: وَلِيَ تدريس الصلاحية بالقدس، فأقام بها مدة، وكان يحب كلام ابن تيمية، ونسخ منه الكثير، وله أشعارٌ على طريقته في الاعتقاد، وامتُحِنَ وأُوذيَ بسببِ ذلك.

([13]) سيأتي الحديثَ عنه.

 ([14])قرأها ابن عمران الغزي على شيخه ابن الجزري في آخرين بالقاهرة سنةَ (827 ه)ـ

([15]) كذا في النُّسخة الخطيَّة، وهي مِن محفوظات مكتبة نور عثمانية، بتركيا.

([16]) «الوافي بالوفيات»، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، (13/ 258).

([17]) «الأعلام»، للزركلي، (2/ 321).

([18]) «الوفيات»، لمحمد بن رافع السلامي، (2/ 226).

[19])) «رحلة العبدري»، لأبي عبد الله محمد العَبْدَري، (ص468).


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0