8/9/2008


القضية الفلسطينية والسنة الكونية.


 

القضية الفلسطينية والسنة الكونية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

 

شاء الله تعالى أن يكون الخلق في تهارج وتصارع إلى قيام الساعة ومشيئته سبحانه نافذة في خلقه لا مناص لأحد منها، فلا ملجأ من الله إلا إليه كما جاء في الحديث، ولما كان أهل السنة والجماعة يثبتون القدر والتعليل - فالله تعالى لا يفعل شيئا إلا بحكمة بالغة سواء كان هذا متعلقاً بذاته أو بأفعاله ومخلوقاته – اقتضى أن يكون لهذا التهارج بين العالمين المقدر من رب العالمين حكمة عظيمة وغاية نبيلة وهي تلك التي أشار إليها القران في موضعين، أولهما قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } البقرة251

وثانيهما قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم.

وقال مجاهد رحمه الله: لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. وقالت فرقة: ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد ، وبمن يغزو عمن لا يغزو ، لأتاهم العذاب.

وقالت فرقة: ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار، إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية ؛ وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعاً من الناس ومدفوعاً عنه ، فتأمله.

ولقد شاء الله وقدر أن تكون بؤرة الصراع وانطلاقة الخصام في الأرض التي بارك الله حولها وبارك فيها لينعم أهلها بهذه النعمة العظيمة مع ما هم فيه من ضيق وبلاء وكرب وغلاء فإذا بعبودية العبيد تدور ثم تحور بعدما ملأت الأفق باطلاً ودهاء ومكراً، فكلما انفتح سبيل للفساد أغلق وكلما فرج باب للشيطان أوصد، ذلك أن هذه البلاد تأبى أن تبقي الخبث على حاله بل تنفيه كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة، ولكن تالله ما عرف أهلها قدرها ولا ذاقوا طعمها...

أتراهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ فاستعذبوا مر المذاق وقدموا من ليس له خلاق وذهلوا عن مصدر هذه البركة المستمد من وحي الله تعالى، فما بال هؤلاء يسلمون عقولهم إلى الشيطان ويسندون قلوبهم إلى الطغيان ويستمرئون الباطل بأقبح وزان، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } المجادلة19

اعلم أرشدك الله لطاعته أن فهم السنن من أجل ما يسترق القلوب لمقلب القلوب وعلاّم الغيوب سبحانه وتعالى وهذه واحدة غفل عنها أكثر الخلق وثانية تلحق الأولى في واقع الأرض المقدسة التي لم يرد قاطنوها أن يفهموا السنن ويدركوا نواميس الكون التي لا يمكن لها أن تحابي أحداً، ومن دقق النظر في الأشياء ظهر له من العبرة والعظة ما يشاء.

ولما دققت وأمعنت وجدت أهلنا يختصمون والخصام ريبة وقد يكون حقيقة وطاعة ولكنني وجدت مورد الخصام على تفاهة حسنها إبليس لأوليائه وصدق عليهم ظنه فاتبعوه تلك هي تفاهة المنصب الذي لا يجد له منصب، وحقارة السياسة التي لا تعرف الكياسة، وأضغاث الأحلام التي لازلنا نسبح في بحارها، فظننا أننا على أتون دولة ولكننا على شفا جرف هار وسبيل خزي وعار يقتل بعضنا بعضاً، ولم يقم حجة الله في أخيه الذي بات طريحاً لإبليس يؤزه في الليل والنهار ويوسوس له في كل حين وآن، ولست جاعلاً نفسي قاضياً على ما حصل ويا ليته انفصل ولكنني أروم طريق الخلاص والفكاك لشعب قد عانى، ونفوس لا تتوانى، والله إنني أنظر إلى لوثة من وقع في الضلالة بعين الشفقة والهداية حتى ولو ارتكس بجهله في حماة المناهج المنحرفة فكل الناس ضال إلا من هداه الله والمعصوم من عصم الله يا الله ...  يا الله ...

من ذا الذي يرفع هذه الفجوة الشيطانية التي باتت تهتك أوصالنا وتشل أركاننا وتفل عزيمتنا عن وجوهنا فلا نعود نراها من جديد؟

 ولكنه الاستنكاف والنكوص والجهل القاتل الذي ضرب خيامه في وسط البلاد والعباد فكان الحال كما قال تعالى : {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } الفرقان43

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله "أرأيت من اتخذ إلهه هواه" قال : لا يهوى شيئاً إلا تبعه.

 وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله في قوله تعالى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه" قال : كلما هوى شيئاً ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى.

وقال ابن كثير رحمه الله :" أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه، كان دينَه ومذهبَه، كما قال تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر:8] ؛ ولهذا قال هاهنا: { أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } . قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول."

فانظر يا من اختلج الإيمان صدرك إلى هذه النصوص ما أعظمها وما أوصلها للقلوب وابك على نفسك وتب إلى ربك ولا تكن من الغافلين.

وأردت أن أصل بك أيها الأخ الشفوق إلى حقيقة وهي أن رحمة الله لا تكون إلا لأمة اعتصمت بكتاب ربها وسنة نبيها وأحسنت وأخلصت عندها ستكون أمة مرحومة أولاً وآخراً أما إذا أبى كل واحد إلا أن يركب رأسه ويعبد هواه فسيكون باسنا بيننا شديد ذلك أن الحق والباطل نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وسنكون ضحية سنة الله في المضيعين لحقوقه وهاكم هو الختام، فنسال الله حسن المآل والختام .أمين.

 

لؤي الشوربجي

مندوب مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية-غزة

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0