12/17/2007


المكتبات والخزائن الخاصة في فلسطين .. نبع مهم لا ينبغي إهماله.


أضحى من المعلوم عند كلّ ذي  لبّ أن الكتاب مصدرٌ  أساسيّ في نشر العلوم  والمعارف ولا سيّما الكتاب الإسلامي ، وأدرك الناس قديماً أهمية هذا الأمر فأولوه العناية التامة والرعاية الفائقة وتسابقوا لاقتنائه إما بشرائه أو  استأجاره  ونسْخه ، وبقي  الأمر على هذا حتى ظهرت فكرة المكتبات العامة فتسابق السلاطين والأمراء،  والحكام والوجهاء في إنشاء خزانات للكتب تحمل اسمهم أو اسم المكان الذي أنشأت فيه ، فشيدوا هذه الخزائن ودور الكتب  وأوقفوا وحبسوا الكتب عليها .

واهتموا بوجهٍ خاص في البقاع الطاهرة والأراضي المقدسة فأوقفوا على الحرمين الشريفين وثالث المسجدين – المسجد الأقصى -  كتبا مهمة بقيت وما زالت مصدراً مهمّاً ونبعاً صافياً ينهل منه الناس ويكرعون.

 

وأصبح العلماء والأدباء والمؤلفون يهدون مثل هذه الخزائن العامة أهم كتبهم ، وكانت دواوين الإسلام وكتب الشريعة تُنسخ وتهدى لمثل هذه الخزائن. 

 

ولقد ظهرت في فلسطين  عدّة خزائن ومكتبات عامة أنشأها سلاطين وأمراء تلك البقاع وأوقفوا وحبسوا عليها نفائس الكتب والمخطوطات وروائع المصنفات والمؤلفات.

 

يذكر مؤرخ غزة النحرير عثمان بن مصطفى الطباع  رحمه الله أنموذجاً رائعاً عن بعض  هذه الخزائن فيقول  في كتابه الماتع " إتحاف الأعزة 2/184  " أثناء حديثه عن خِزانة مسجد ومدرسة الغصين في غزة : " .. أنشأها في القرن السابع الملك الظاهر بيبرس  واتخذ فيها مكتبة كبيرة تزيد عن عشرين ألف كتاب في مختلف العلوم وكانت ذا غرف

 أربعة وإيوانيين فسيحيين للمطالعة ، بينهما حديقة صغيرة وكانت للمكتبة نظام فريد وكانت تُسمى بمكتبة الظاهر كما تقدم عن المؤرخ الألماني ثم لما جاء قلاوون هدمها 

 

 ( 1 ) إزالةً لآثار من كان قبله بغياً وحسداً ثم أعادها الملك قايتباي كما كانت ونقل الكتب إليها ولكن بعده تناقلتها أيدي السبي، وكانت معهداً عظيماً للعلماء والقضاة  "

 

ويقول طرازي عن دار الكتب الفخرية في القدس " .. وقفها القاضي أبو عبد الله  فخر الدين محمد بن فضل الله المتوفى سنة 732 هـ وكان عدد مجلداتها نحو عشرة آلاف اقتسمها أفراد أسرة أبي السعود أصحاب الزاوية الفخرية في الزمان الحاضر ..."

 ( خزائن الكتب العربية في الخافقين 1 / 294 ).

 

ومن علم بوجود أفراد كانوا يملكون  أعداداً هائلة من المؤلفات والمخطوطات في فلسطين وضواحيها يتبين له اهتمام هؤلاء الأوائل بوقفها وتحبيسها في سبيل الله ، ومن هؤلاء ما ذكره الحافظ الكبير أبي الفداء ابن كثير رحمه الله في ترجمة القاضي الفاضل والإمام

 العلامة شيخ الفصحاء والبلغاء أبي علي عبد الرحمن بن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن البيْساني – نسبة لمدينة بيسان شمال فلسطين – كاتب صلاح الدين الأيوبي ما نصه " وقد اقتنى من الكتب نحواً من مائة ألف كتاب وهذا شئ لم يفرح به أحد من الوزراء والعلماء والملوك والكتاب ..."  كما في البداية والنهاية ( 16 / 699 )

ويذكر محمد كرد على فائدة مهمة تبين سبب امتلاك  القاضي الفاضل البيساني لمثل هذه الخزانة فقال " وكثيراً ما كان صلاح الدين يبيح لرجاله أن يأخذوا ما شاءوا من الكتب  التي وقعت إليه ، كما فعل في مصر وأعطى القاضي الفاضل من خزانة الفاطميين قدراً  كبيراً من كتبها " ثم قال " ووهب صلاح الدين القاضي الفاضل ما شاء من كتب خِزانة آمِد لما فتحها وكان فيها ألف ألف وأربعون ألف كتاب فانتخب منها الفاضل سبعين حملاً ، وهذه الألوف من الكتب التي ملكها القاضي الفاضل وقفها بعد على إحدى مدارس القاهرة وكان هو وابنه من غلاة الكتب  " (خطط الشام 6/187 ) وجاء في ترجمة الشيخ العلامة مفتي الرملة خير الدين الرملي ( ت1081 هـ) كما ذكر ذلك المحبي في خلاصة الأثر ( 2/138 ) ".. وحصّل من الكتب شيئاً كثيراً ما ينوف عن ألف ومئتي مجلد غالبها من نفائس الكتب ومشاهيرها من كل علم ... " ا.هـ

 

ومع وجود هذه الخزائن العامة ؛ إلا أن العلماء قديماً وحديثاً كانوا يحرصون على أن يتملكوا في بيوتهم خزائن خاصة يستفيدون ويُفيدون منها .

 

ولقد لعبت هذه الخزائن دوراً هاماً في إحياء المعارف والعلوم في القرنين الأخيرين ( الرابع عشر والخامس عشر ) الهجريين، وكانت من الأهمية بمكان، بل كانت محط أنظار الباحثين يرحلون إليها ويضربون لها أكباد الإبل لمعرفة كنوزها ونوادرها ونفائسها .

 

يقول طرازي أثناء حديثه عن خزانة آل الدّجاني في يافا فقال : " ... لا نعرف من خزائن الكتب في يافا أهم من خِزانة آل الدجاني وما برحت هذه الخزانة منذ أواسط القرنالثالث عشر للهجرة منهلاً للوراد وكعبة للقصاد .." ( خزائنالكتب 1 /295 ) ولا أنسى أن أذكر قصة مراسلة علامة العراق محمود شكري الألوسي رحمه الله لاستعارة بعضالمخطوطات في فلسطين، يقول مؤرخ القدس عبد الله مخلص رحمه الله " جاءني مرّة أحد الوراقين من القاهرة وقال لي أن علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي كتب إليه يعلمه بأن في مكتبة الشيخ نعمان هاشم بنابلس نسخة من  كتاب العقل والنقل – تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية – وأشار عليه بالبحث عنها وطلب إلي أن أساعده على تحقيق هذه الأمنية " ( مجلة الزهراء مجلد 1 ج 8صحيفة رقم504 ) بل كان العلماء والأدباء يُراسلون أرباب وأصحاب هذه الخزائن لاستعارة بعض هذه النفائس ، فيذكر طرازي أيضاً أثناء حديثه عن نفس الخزانة السابق ذكرها فيقول " ونضيف إلى ذلك أبياتاً بعث بها الحاج حسين بيْهم البيروتي(2) إلى صديقه الشيخ مصطفى الدجاني  مفتي يافا ، وقد عرّض الناظم فيها بحاجته إلى استقراض مخطوطة كتاب " العقد الفريد " في الخزانة الدجانية فقال :

 

ألمعيٌّ في زوايا فـكره **** كم خبايا لمعت للمستفيد

 

قد جمعتم كل علم مثلما **** جمع الأشياء قرآن مجيد

 

فلهذا أرتجي من فضلكم **** إن أردتم قرضة العقد الفريد

 

ثم من بيروت يسعى مسرعاً **** فيوافيكم قريباً في البريد

 

واجعلوا عهدي كصكّ عندكم **** وحسن شكره دوماً يزيد

 

(خزائن الكتب 3/929 )

 

 ولقد فطن العالم العلامة أديب مصر الكبير أحمد تيمور باشا رحمه الله لأهمية هذه الخزائن والمكتبات فكان يراسل معارفه هناك أمثال عبد الله مخلص ومحمد عزة دروزة وأمثالهم  من المتخصصين بالتراث ومن هذه الأمثلة ما ذكره دروزة في مذكراته فقال: " ولقد كلفني العالم المشهور المصري أحمد تيمور باشا أن أبحث عن بعض المخطوطات في مكتبات بيوت ومساجد نابلس فوجدت مخطوطة في الجغرافية والتاريخ يرجع  تأليفها إلى بضعة عصور في دار الجوهري  وأخبرته به فطلب مني أن أستعيرها وأرسلها إليه فصورها

 وأعادها " (ذكريات محمد عزة دروزة 1/541)

 

هذا من، جهة ومن جهة أخرى كان حرص العلماء والأدباء وعشاق التراث شديداً لزيارتها ورؤيتها والاطلاع على نفائسها حتى إن أحدهم ليتحسر على فواته الزيارة لبعضها وذلك لأهميتها، يقول أسعد طلس عن الخزانة البديرية " ولم أستطع زيارة هذه المكتبة على شدة سعيي وأرجو أن تتيح لي الظروف معرفة ما بها من مخطوطات " (المخطوطات العربية في فلسطين للمنجد 13)

 

ويقول طلس أيضاً عن خزانة آل اللحام في القدس " .. ولم أستطع زيارتها ولا معرفة ما فيها من نفائس  ولعل صاحبها يكتب لطلاب العلم عن بعض ما تحويه من مخطوطات قيمة .." (المخطوطات العربية في فلسطين للمنجد 13 ) ويقول أيضاً في شأن الخزانة الخليلية في القدس " ولم أستطع زيارتها ولا معرفة ما فيها من الـ666 كتب "

(المخطوطات العربية في فلسطين للمنجد 12)  وأما ما حوته هذه المكتبات الخاصة من النوادر والنفائس فلا يزال العلامة الطناحي  يبدي عجبه من أمرها وكلما جال فيها وجاس خلالها تعجب أكثرَ وأكثرَ ولذا تراه يعبر عن إعجابه هذا بقوله " ومن عجيب أمر هذه المكتبات الخاصة أن في بعضها ...."

 

ولقد شغلت خزائن فلسطين سواءاً العامة منها والخاصة  أقلام كثير من تراثيي وأدباء وأعلام هذا  العصر فكتبوا  عنها مقالات وألفوا مؤلفات تبين تاريخها وحاضرها وما حوت مخادعها من أمات الكتب ونفائس النوادر ، ولما أراد طرازي وصْف هذه الخزائن قال " تلك الخزائن التي حوت كنوزاً يعز وجود نظيرها في بلدٍ آخر "ويقول أسعد طلس الحلبي أيضاً "..وفي كل دارٍ من هذه بعض المخطوطات التي لا شك أن بعضها قيم"ويقول الطباع " فيها مكاتب قيمة بدور العلماء السابقين واللاحقين لها قيمتها "

 

ويقول باعث النهضة الشامية محمد كرد على رحمه الله : " وفي بعض البيوت القديمة في دمشق وحلب والقدس بل في معظم المدن القديمة مجاميع قليلة يحتفظون بها وَرِثُوها من أجدادهم ومنهم من لا يرجعون  إليها ولا عرفوا مضامينها ويتغالون بحفظها ويتنوّقوا في رصفها كأنها بعض الآنية اللطيفة والعروض التي يُتنافس فيها ونِعْم الهوى هواها "

( خطط الشام 6/199) بل يحاول كرد علي أيضاً الكشف عن بعض أسباب اهتمام أرباب هذه الخزائن بها ومحاولة الورثة المحافظ على هذا الإرث ، بل يحاولوا الزيادة عليها فيقول: "وكان القوم يعتقدون أن اقتناء الكتب يُورث الغنى وبيعها يورث الفقر......" (خطط الشام 6/ 203)

 

وقد ظهرت أولى محاولات التعريف بنفائس هذه الخزائن والدور في مطلع هذا القرن على يدي نفرين كانا فرسان هذا الشأن و كانت لهم جهود مبكرة وفريدة من نوعها جعلتهم ذوي قدم سبق في هذا الميدان  وهم عبد الله مخلص ومحمد عزة دروزة  رحمهما الله جميعاً، راجع (جهود مبكرة في التعريف عن مخطوطات فلسطين للشنطي )

 

وأما عن مكتبات المدارس فيقول محمد كرد علي رحمه الله " ولم تكد تخلو مدرسة من المدارس في الشام من خزانة كتب وكان لحلب ودمشق والقدس الحظ الأوفر من ذلك...." (خطط الشام  6/186)

 

وأما عن هذه الخزائن  الخاصة وما حوته مخادعها من نفائس النوادر ونوادر النفائس فسأذكر أشهرها وما قال عنها خبراء المخطوطات وعشاق التراث ..

 

فمن هذه الخزائن خزانة العلامة الطُّلعة والحافظ الرُّحلة خليل الخالدي رحمه الله ( 1941 م ) فقد وصفها العلامة أسعد طلس رحمه الله بقوله ( إن الكتب التي جمعها هي من أنفس المخطوطات العربية )(3)

 

وقال عنها أديب فلسطين الكبير عجاج  نويهض ( كان شديد الحرص على مكتبته وداره قرب الحرم الشريف في القدس ، فكان يفضل أن يجعل كتبه في صناديق لا على الرفوف، وإذا أعارك كتاباً فلا يعيرك إياه إلا إذا وثِق أنك تعيده إليه ، وكان يؤثر إذا سألته مسألة أن يظلّ هو وراء هذه المسألة ينقِّب عنها في الكتب حتى يستخرج الجواب عليها على أن يعيرك الكتاب فكان الكتاب بين يديه بمثابة ولدٍ له) (4)

 

ويقول كامل العسلي ( إن مكتبة الشيخ خليل الخالدي كان مجموع ما فيها حسب الحجة الوقفية 3480 كتاباً و 500 مخطوط لم يبق منها الآن سوى 759 كتاباً و 100 مخطوط) (5)

 

ومنها خزانة العلامة الشيخ  البديري ( محمد بن بدير بن محمد المعروف بابن حبيش البديري 1220هـ) في القدس والتي وصفها طرّازي بقوله ( إن مخطوطات هذه الخزانة بلغت ألف مجلد) (6)

 

ومنها خزانة العلامة الأديب والحصيف الأريب اسحاق موسى الحسيني في القدس ، يقول الأستاذ المؤرخ محمد عمر حمادة ( وبعد نكبة فلسطين 1948 م نزح عن وطنه فلسطين إلى حلب في سوريا مخلفاًً في بيته بالقدس مكتبة غنية بأمهات المراجع الأدبية والتراثية )(7)

 

ويقول الأستاذ فؤاد عبيد ( كانت مكتبة د. الحسيني في القدس تضم زهاء أربعة آلاف كتاب من بينها الكتب التي عرضت في معرض الكتاب الفلسطيني الذي نُظّم في القدس سنة 1946 م إلا أن هذه المكتبة قد احترقت أثناء حرب 1948 م )( 8 )

 

ومنها خزانة أديب فلسطين الكبير وعالم اللغة النحرير محمد اسعاف النشاشيبي رحمه الله (1948 م) والتي حوت بين مخادعها ورفوفها نفائس ونوادر تشد لها الرحال وتضرب لها أكباد الإبل ، يقول الأستاذ أنور الجندي رحمه الله ( ولقد كان قصر النشاشيبي في القدس ملاذاً للأدباء ومجمعاً للأدب وبه مكتبة من أنفس الكتب وأندرها )( 9 ) وقال عنها رصيفه الأديب خليل السكاكيني بقوله " ومكتبته لا تشبهها مكتبة) (10)

 

وكذلك خزانة الأستاذ خليل بيدس المقدسي في القدس ، يقول الأستاذ يعقوب العودات الشهير بالبدويّ الملثم: ( وفي بيت المقدس أسس خليل مكتبة فريدة حوت مخطوطات قديمة العهد وكتباً ثمينة، لكنه أُرغم على تركها في منزله بالقدس لتأخذها العصابات الصهيونية غنيمة باردة عندما اغتصبت فلسطين في أيار 1948 م )(11)

 

ومنها خزانة آل قطينة في القدس (وتسمى العائلة الحنبلية لأنهم العائلة الحنبلية الوحيدة في القدس )(12) يقول عنها فيليب طرازي ( هذه المكتبة تخص أسرة قطينة بالقدس الشريف وتشتمل على أربعة آلاف مجلد في جملتها ثمانمائة مخطوطة .. )( 13 )

 

ولعلي أكتفي بهذا القدر ولعله يكون مناسبة أخرى وأذكر من النماذج الشئ الكثير فلا يزال في الجعبة العشرات من أمثال هذه الخزائن،  وأسأله سبحانه بعزته وجلاله أن يوفقنا لكل خير ..

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0