10/26/2009


وقفات مقدسيّة صريحة مع العاملين من أجل الأقصى


 

 

وقفات مقدسيّة صريحة مع العاملين من أجل الأقصى

 

 

إنّ النّاظر إلى حال المسجد الأقصى اليوم ليستغرب استغراباً شديداً لا سيّما إن كان ينظر بعين عاطفة المسلم المؤمن بالله ورسوله ومحبته له صلى الله عليه وسلم، ولكن وقبل أن أخوض في تفاصيل الواقع أستطيع أن أخبره , أنّه لو أمعن النظر قليلاً لاستطاع أن يأخذ من واقع المسجد الأقصى ملخصاً يعكس حال أمّة المليارين في مشارق الأرض ومغاربها , وأن يفهم من هذا المكان تفاصيل الحكاية والأمر كلّه ...

من هنا من رحاب بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك , من مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعراجه إلى السماوات العلا , من مصلّى أنبياء الله وملائكته الطيبين الطاهرين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين , من قبلة الإسلام الأولى , من مهد عيسى وبغية موسى ومهاجر إبراهيم عليهم السلام , من الأرض التي بارك الله فيها للعالمين , أوجه لكلّ من تصله كلماتي هذه دعوة ... أن يعيش معي لحظات مقدسيّة يخالط بها واقع المسجد الأقصى المبارك ويتلمّس تفاصيل ما يجري فيه , بعد أن حجب الرؤية الحقيقية كثير من الضباب المفتعل عن عيون العالمين , دعونا نرتحل نحاول فهم الواقع واستقراء ما يمكن أن يكون ...

·        تنازل ... وتصاعد ... تناسي ... واهتمام ... ملل ... وزيادة تشبث ...

لا أجد كلمات تمثل الحاصل أكثر من هذه الكلمات المتناقضة والتي تزيد فينا يقيناّ بسنن الله في أرضه " أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

فكلما ازدادت وتيرة التنازلات وحدّة الضعف في واقع الأمة الاسلامية , تصاعدت الهجمة الشرسة من اليهود على المسجد , دولة وحكومة وشعباً على , لا كما يحاول البعض إيهامنا أنّها مجرد جماعات متطرفة .

وكلما شاع التناسي بين أفراد أمة الإسلام وهيآتها لقضية المسجد الأقصى , نرى ونلمس اهتماماً يتبالغ عند الطرف الآخر, بل وكلما خيم الملل من حكاية الأقصى والإعراض عنها عند المسلمين ازداد أولئك تشبثاً ...

توصيف لعله يصور لك أعراض المرض لتعرف العلاج ...

ففي الحين الذي لا أستطيع أن أصف فيه جهود المسلمين في قضية فلسطين عموماً وبيت المقدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص إلا بالعبثية والارتجالية والمبعثرة هنا وهناك , ألاحظ في الطرف الآخر مشروعاً حاكماً وخطة مهيأة تحكم , وخطوطاً ومنهجاً لا يتأثر بغياب فرد أو بوجوده , مهما علت حساسية مكانته عندهم, ولا يتأثر وإن حاولوا إظهار العكس بالأحداث على الساحة إلا امتصاصاً و تجييراً لصالحها .

ولو حاولنا رؤية موقف عام في الأمة الاسلامية تجاه ما يجري الآن في المسجد الأقصى وحوله , وارتفاع حدة التهديد والخطر إلى حدٍ لم يُعهد من قبل ولم يسبق أن وصل إليه , لا نجد إلا مواقف قد اختزلت في بضعة ردود أفعال متفرقة , وقد تكون كتاباتنا هذه جزء منها , إن لم يكن لها ما يتبعها , بل حتى ردود الأفعال والشجوب والاستنكارات والتي ما كانت تقنع أحداً منّا في الماضي , أصبح الكثير يبخل بها ولا يطلقها أصلاً .

فمن المعيب حقيقة أن يصل بنا الحال أن نكون مفعولاً به تُحسب نسبة ردود فعله وتدرّجه في إنهائها حتى يتوقف عنها تماماً ويسلم للفاعل بما يريد , وحتى لو وقع من ردود الأفعال شيء جرّاء ما قد يرشح من القليل الذي تنقله وسائل الإعلام حسب أغراضها أو أغراض من يوجهها إلى السمع , فهذه الردود أيضاً متشعبة ومتباينة , مبددة لا تصب في صف واحد أو هدف واحد منتظم ابداً , غير كونها ارتجالية صرفة .

فمما يُؤسف له أن أتكلم بهذه الطريقة عن حالنا , ولكن كما أسلفت فأنا أحدثكم من الواقع وليس عن بعد , وآكل الشوك ليس كمن يسمع عن آلامه , عوضاً عن أنّا قد وصلنا حالة الإشباع المفرط قديماً من كثرة الشعارات الرنّانة والتي يعاد اجترارها دون خجل من البعض من أبناء هذه الامة ولا نرى بعد إشعالها للعاطفة أي رصيد في الواقع .

لن أقول أبداً فلنستفد من عدونا , وإن كان النبيه من يأخذ من عدوه ما يفيده , ولكنّي أدعو هنا لخلاصات لا بد لفهم الواقع والتعامل معها , فالأشجار إن قطعت جذورها ذبلت ثم ماتت وجفت , وهكذا نحن , وإن كان الموت مفروغ من أنّه لن يعرف طريقه أبداً لهذه الامة المحمدية عموماً , ولكنّ الذبول قد وصل بنا مبلغاً عظيماً , وما هذا كله إلا لأنّ المظهرية الجوفاء أخذت منا مأخذاً عظيماً بين صفوف من يدّعون العمل , فما بالك بمن لم يلحق بالصف أصلاً , فأخذتنا الحميّة للأوراق ونسينا الجذور التي ترويها ... فيا صاحب كل دعوةٍ لحياة هذه الأمة ... اعلم أنّ سبيل الحياة في العودة للجذور ...

وليس لأحدٍ أن يدّعي أنّ له من قوّة الجذور أكثر من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

من راجع البدايات فهم كيف العمل مع النهايات فلا يحسبّن أحد أنّ إغراق ما يسمى بدول الطوق في قضاياها الداخلية هيئات وشعوباً ومن خلفها الدول الإسلاميّة قاطبة في هذه الآونة وازدياد حدّتها وترافقها مع ما يجري في الأقصى هي مجرّد مصادفات , ثم لا يحسبّن أحد أنّ ارتفاع منسوب الخطر بشكل غير مسبوق في الأقصى بعد إحكام الجدار حول القدس والمعابر الخارجيّة والداخلية وإحكام إغلاق الضفة الغربية وقطاع غزة الخارج من الحرب مؤخراً , وإشغال الشطرين في غزة والضفة بأنفسهم وبالخلافات الداخليّة هي أيضاً مصادفة .

لا , أبداً ... إنّما هي رمية من رام يتربص طويلاً حتى يدرك هدفه ... نسأل الله لهم الخيبة فيما يهدفون , والطيش فيما يرمون ...

فبذا يعلم أن العمل من أجل المسجد الأقصى المبارك لم تعد تخدمه كل ما أسلفت من وسائل الشعارات والارتجال والجهود المبعثرة المفرّقة وردّات الفعل إن وجدت ...

وإنّما آن الأوان قديماً ولازالت الدعوة إليه قائمة , أن تكون أعمال المسلمين في خدمة المسجد الأقصى قدر المستطاع يجمعها إطار وإدارة وخط ومنهج منتظم , وقائمة على تخطيط علمي نظامي يقرأ الواقع ويعمل للغد , وإحياء الجهات التعبوية لهذه القضية بين صفوف الأمة , لأنّ أعمال النخبة معزولة عن صفوف أبناء الأمة لن يكون لها أي رصيد من النجاح ...

ولعل هذا جانب مما يملك المرء قوله في آنه هذا ... ولعلّه يكون هناك للقول متسع في أحاديث لاحقة ... وإلى ذلك الحين , اعلم أخي أن اللحظات القليلة لديك هي في حياة الأقصى خطيرة ...     

 

أحمد  الحسيني

القدس

5- ذو القعدة - 1430

24 - تشرين الأول - 2009


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0