12/26/2007


المسجد الأقصى ودعوة الرسل


الشيخ : محمد صفوت نور الدين – رحمه الله

الرئيس العالم لجماعة أنصار السنة المحمدية، ورئيس تحرير مجلة التوحيد - جمهورية مصر العربية

 

الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام على إمام النبيين، وخاتم المرسلين، وقائد الغُرِّ المحجلين محمد بن عبدالله النبي العربي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

وبعد....

 

فإن الصراع بين الحق والباطل قديم، وإن الحق يُسْتَمَدُّ من شرع الله ودينه، ويقوده أنبياؤه ورسله، ومن سار على سيرتهم من الأمراء والعلماء، ومن اقتفى أثرهم، واتبع هديهم، وإن الباطل يقوده الشيطان، ويغوي أعوانه وأتباعه لمعادات الحق، ومفارقة أهله، والقضاء عليهم.

 

وإن النظرة العلمانية ،وهي نظرة شيطانية تزحف كثيراً نحو القضايا التي تشغل بال الناس، لتضلهم ضلالاً بعيداً، وتدخل تلك النظرة العلمانية، في القضايا الإيمانية، فتكون الحلول غير مطابقة للمبادئ الشرعية، ولا موافقة لما كان عليه سلف الأمة.

 

وإن من أوضح القضايا العصرية في الأذهان، قضية المسجد الأقصى، ومشكلة فلسطين، لكن النظرة العلمانية أوحت للناس، أن الأمر مجرد قتال، لمنْ جَمَعَ أسبابه وأدواته، تقدم وانتصر، وتركوا الإيمان ووعد الله لأهله بالنصر والتمكين.

 

المسجد الأقصى واسمه مسجد إيلياء، ويطلق عليه كذلك بيت المقدس، والبيتَ المقدَّس من التقديس، وهو التطهير.

 

وهو قبلة المسلمين الأولى، حيث صلى إليه النبي سبعة عشر شهراً.

 

وقد أسْريَ بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه قبل الهجرة، ونزل فيه قول الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}(الإسراء/1)، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل لبيت المقدس، فصلى فيه ركعتين.

 

وهو ثاني مسجد وُضِعَ في الأرض، لحديث الشيخين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وُضِعَ في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: وكم بينهما؟ قال: «أربعون عاماً، ثم الأرض لك مسجد فأينما أدركتك الصلاة فصلّ فإنه مسجد»(متفق عليه).

 

دعوة المرسلين: إن دعوة الرسل هي دعوة التوحيد أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، أرسل الله تعالى بها نوحاً إلى قومه، وأرسل بها كل نبي بعده إلى قومه، يقول الله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}(البقرة/133) ، وقال يوسف: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}(يوسف/38)، ويقول سبحانه عن إبراهيم: {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}(مريم/42)، ويقول سبحانه: {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقيت الله خير لكم وإن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ، قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد}(هود/84-87)، {وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}(الأعراف/73)، فالدعوة لعبادة الله وحده وترك عبادة كل ما يُعْبَدُ من دونه، وترك الغُلُوِّ في الموتى من الصالحين، والغلو في قبورهم هي دعوة كل الأنبياء والمرسلين، وهي الدعوة الكاملة التي أمر بها كل الرسل، وجاءوا بها شريعة من عند الله تعالى.

 

فإن دعوة الرسل هي دعوة الله رب العالمين الذي خلق الخَلْقَ، ولم يتركهم هملاً وإنما أرسل إليهم أنبياء ورسلاً، وأمرهم أن يتبعوا منهج الأنبياء، ووعدهم إن هم وفوا بذلك بالنصر والتأييد والتمكين.

 

لذلك إخوة الإسلام، فإنه لا ينبغي فحسب أن نعالج قضية المسجد الأقصى على ما دعت إليه الرسل، وإنما ينبغي أن نعالج سائر قضايانا على ما دعت إليه الرسل، سواء دَقَّتْ تلك القضايا أو كَبُرَتْ، لأن الله عز وجل أرسل نبيه الخاتم بدين وصفه بالكمال، وأتمه رب العزة سبحانه وتعالى، ورضي لنا الإسلام ديناً، فلا يكون من خير إلا وهو موجود في هذا الدين، وإن بعض الناس يحلو لهم أن يقولوا: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، والعبارة وإن كانت صحيحة إلا أنها قاصرة، لأنها تفسح لمن يريد أن يقول إن غير الإسلام صالح، لكن الذي ينبغي أن نقوله: إنه بالإسلام وحده يصلح كل زمان ومكان، أي أن الفساد يحل إذا انتهجنا أي منهج غير منهج الإسلام فلا تُُحَلُّ تلك المشكلات، ولا تزال هذه المفاسدة قائمة، ولا تُزَالُ إلا بأن ننتهج دين الإسلام.

 

للإسلام ثوابت شرعها رب العزة سبحانه لأنبيائه ورسله ومن تبعهم من خَلْقه، أولها: الإيمان بالله، وإن الله لا يحدُثُ في كونه إلا ما أراده وقَدَّرَه، فهو سبحانه وتعالى القهار، يقهر من يشاء، وهو المعز يعز مَن يشاء، وهو سبحانه المُذِّلُ يذل مَن يشاء.

 

ومن ثوابته أن الله جعله الدين الخاتم، وجعله دين الجهاد، وهذه مسألة ينبغي ألا تُنْسى ونحن نعالج قضايانا، فالإسلام دين جهاد، والجهاد يكون بالقلب واللسان واليد، والجهاد يكون جهاداً للعدو الكافر، وجهاداً للمنافقين، وجهاداً للعُصَاة، وجهاداً للشيطان، وجهاداً للنفس.

 

يقول ابن القيم: جهاد المنافقين أصعبُ من جهاد الكفار، وهو لخواص الأمة وَوَرَثَةُ الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عدداً فهم الأعظمون عند الله قدراً.

 

جهاد النفس وجهاد العدو:

 

وجهاد النفس مقدمة جهاد العدو، فمن لم يجاهد نفسه لتلتزم بالشرع فتعمل به وتقف عند حدوده لم يمكنه أن يجاهد عدوه، بل إن خروجه للجهاد قبل بلوغ مواطن النزال إنما هو من جهاد النفس على ذلك، لذا ففي حديث أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: ألا أخبركم من المسلم؟ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله(رواه البزار والطبراني).

 

وجهاد الشيطان في تزيينه للشهوات، وفي تلبيسه بالشبهات؛ لأنه العدو الذي لا تتحول عداوته ولا يستمال جانبه؛ لذا قال تعالى : {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً}(فاطر/6)، فالعبد مأمور ببذل الجهد في التخلص من حيل الشيطان، وإن من أعظم ذلك الدخول في حوزة الرحمن بالاستعاذة به من الشيطان، وإن ثمرة ذلك جهاد العدو الكافر بالسيف والسنان طلباً للخير والعطاء من الدَّيَّان.

 

جهاد العُصَاة بالحكمة:

 

ومن الجهاد المشروع جهاد العصاة على الطاعة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإقامة السلاطين للحدود، والأخذ على أيدي المفسدين.

 

فهذه خمسة صور من صور الجهاد : جهاد النفس، والشيطان، والعصاة، والكفار، والمنافقين، يدخلها الجهاد باليد واللسان والقلب.

 

وإنما ذكرت هذه الكلمات ليعرف المسلم أن الجهاد سِمَةُ دين الإسلام، وأن الجهاد ليس هو مجرد القتال، ولا بذل النفس، وإنما حدَّه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غَضَباً ويقاتل حَمِيَّة، فقال: مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»(متفق عليه).

 

فينبغي أن نعلم أن الجهاد إنما يكون بالقرآن، {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}(الفرقان/52)، وأن يكون الجهاد لرفع راية القرآن ويكون الجهاد محكوماً بالأحكام التي جاء بها القرآن.

 

هذا، وإن الحماسة كثيراً ما تُخرِجُ أصحابها فيقدموا الخادم فيجعلوه مخدوماً، والتابع فيجعلوه متبوعاً؛ لذا كان بيان تلك الضوابط من أهم الأمور التي ينبغي أن نتواصى بها.

 

كل ذلك لأن دين الإسلام ما جاءنا إلا ليخرجنا من عبودية العباد إلى عبودية الله رب العالمين.

 

كيف ضاع الأقصى؟ وكيف يعود؟

 

حقيقة هامة:

 

أشير إلى مسألة يغفل عنها الكثير من الناس مع أنها حقيقة جلية، ذلك أن الله عز وجل أنزل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}(المائدة/3)، وذلك قبل أن يفتح بيت المقدس، وقبل أن يكون ضمن ديار المسلمين، معنى أن كمال الدين ليس بالضرورة أن يكون بيت المقدس فيه، ولكن إذا نحن أقمنا أنفسنا على منهج الإسلام رجع إلينا ما اغتُصب من مقدساتنا في بيت المقدس، وديارنا السليبة في جميع أرجاء الأرض، وفتح الله لنا البلاد، وقلوب العباد، ولذك يخطئ كثير من المتحمسين حين يرون الدعوة إلى جمع كلمة المسلمين، ووحدة صفهم هي الهم الأول، ويتناسون في ذلك رجوع المسلمين عن بِدَعهم وشهواتهم وأهوائهم ومعاصيهم التي هم فيها مغمورون، وهذا لا يرجع به عز للمسلمين، وإن رجعت أرض سليبة، أو عادت ديار مُغْتَصَبَة، بل ينتقل من مُغتَصِب مُتَسَلِّط خارجي إلى مُتَسَلِّطٍ من بني جلدتنا، يتكلم بألسنتنا.

 

لذلك فإنه ينبغي أن ننظر إلى حالنا مع الله عز وجل، ونعلم أن رب العزة سبحانه وتعالى قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}(النور/55)، ذلك هو الوعد القائد إلى سلوك الطريق السوي الذي سلكه الأنبياء والمرسلون.

 

إذن فما ضاع المسجد الأقصى إلا لأننا فَرَّطْنا في إيماننا، وضَيَّعْنا معالمه وأوامره، ولا يرجع المسجد الأقصى إلا أن نرجع فيما فرطنا، فنعود إلى رب العالمين.

 

ونُذَكِّر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّط الله عليكم ذُلا لا ينزعُه حتى ترجعوا إلى دينكم»(رواه أبو داود).

 

فتدبر كيف أن الله لا ينزع الذل إلا أن ترجعوا إلى دينكم، الذي هو التوحيد وإخلاص العبادة لله، ثم ما يترتب على ذلك من شرائع، وهذا واضح بتتبع الحوادث في هذه الأمة والأمم السابقة.

 

نظرة وعِبْرَة:

 

فينبغي أن نعتبر من التاريخ، فنعلم أن رب العزة سبحانه وتعالى هو الفعَّال لما يريد، فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا وآمنوا واتبعوه قبل الهجرة، عاشوا سنوات عشر في ذل وهوان، وعاشوا وهم لا يستطيعون أن يُظهروا دينهم، يُعَذَّبُ فيهم الضعيف، ويُقاطَعُ فيهم القوي، الذي لا يقدر الكفار على تعذيبه، ويهاجرون إلى بلاد غير بلادهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقيموا دينهم في مكة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم في هذه الشدة؛ حيث مات بالتعذيب ياسر والد عمار، وماتت أمه كذلك، وبلال يُعَذَّبُ في كل يوم في رمضاء مكة عذاباً لا تتحمله الجبال، فيأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفد هؤلاء الضعفاء يقولون: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا ترى إلى ما نزل بنا، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: «والله لَيُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكبُ - أو قال: الظعينة - من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»(رواه البخاري)، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرجل فيمن كان قبلكم كان يُحْفَرُ له في الأرض، ويوقف في حفرته، ويوضع المنشار على مفرقه، فَيُشَقّ حتى يقع شقّاه على الأرض لا يمنعه ذلك عن دينِهِ».

 

فكان أول النصر أن يأذن الله عز وجل لنبيه بالهجرة.

 

قال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}(التوبة/39)، فإذا كان القرآن الكريم قد عد الهجرة ظفراً ونصراً، فكل قول يخالف ذلك فهو قول باطل مردود. فالهجرة نصر رب العالمين لنبيه الكريم، بل نصره لهذا الدين حيث يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، ويبقى مع المسلمين سنوات ست في حديدهم حتى قالوا: يا رسول الله، أنبقى في حديدنا أبد الدهر، يعني نبقى وراء هذا السلاح لا نأمن، فأنزل الله عز وجل: {وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}(النور/55)، أنزل الله هذه الآية جواباً لسؤال المسلمين المستضعفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإسلام دين جهاد، سواء في قضية الأقصى، أو في غيرها من القضايا، فالإسلام دين الجهاد الباقي إلى أن تقوم الساعة، والجهاد أعلاه وأشرفه جهاد السيف والسنان، جهاد القتال في سبيل الله، يضحي فيه المسلم بدمه وماله، طالباً النصر لا بعدد ولا عُدَّة إنما طالباً نصر الله رب العالمين، لتكون كلمةُ الله هي العليا.

 

إن الله جلت قدرته استدرج المسلمين في غزوات كثيرة ليُظْهِر لهم نصره، ويُشَرِّفَهُم بدينه، ومن تلك الغزوات غزوة بدر، وغزوة الحديبية، فالمسلمون يرون المشركين من مكة قد اغتصبوا أموالهم، وأخذوا ديارهم، وطردوهم من بلادهم ليستمتعوا هم بالمال، ويُجَهِّزُون به قوافل التجارة التي تذهب إلى الشام وتعود تمر قريباً من المسلمين، تقول لهم بلسان الحال: أنتم لا حُرْمَةَ لكم، ولا خوفٌ منكم!! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أصحابه حُفاةً لا يجدون نعالاً يلبسونها، عراة لا يجدون ثياباً تواري سوآتهم، عالةً لا يجدون المال الذي يحتاجون في طعامهم وشرابهم، قد طُرِدوا من ديارهم ولا ديار تُؤْويهم، وهذه أموالهم بيد قريش التي اغتصبت الديار والأموال، يرى ذلك هو وأصحابه، فيأمرهم مرة أن يخرجوا لملاقاة عِيرٍ لقريش يقودها أبو سفيان إلى الشام، فَتُفْلِتُ العِيرُ مع أبي سفيان، وما أفلتت لسوء تقدير أو خطأ تدبير منهم، إنما أفلتت لأن الله قَدَّر ذلك، ثم تُنْهِي تجارة قريش مُهِمّتها، ويرجع أبو سفيان بالعير والتجارة إلى قريش، ويمر على المدينة فيجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليخرجوا مرة أخرى ليلاقوا هذه العير التي فيها أموالهم، وفيها حقهم المغتصب، ولكن الله يقدر أيضاً في هذه المرة أن تُفْلِتَ العير.

 

وتجتمع قريش بالصلف والغرور والكبر والظلم تريد أن تؤدب المسلمين -كما زعموا- تريد أن تُرجِعَهم حتى لا يُلاحقوا تجارة لهم بعد، ناسين أنهم هم المعتدون الظالمون، قهروا الناس في عقائدهم، وفتنوهم في دينهم، لكن الله يريد ليريهم قوة لم يعهدوها من قبل لعلهم أن يرجعوا عن كفرهم، فمع أن أبا سفيان يرسل إلى أبي جهل أن التجارة قد نجت إلا أنَّ أبا جهل يقول: لا والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدراً، فنشربَ الخمر، وتُغَنينا القيان، وتسمعَ بنا العرب، فلا تزال تَرْهَبُنا أبداً، وربُّ العزة سبحانه وتعالى يصور حال المؤمنين في قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}(الأنفال/5-8)، تريدون هذه العير وهذه التجارة وهذا المال ولا تريدون اللقاء والحرب، لكن الله عز وجل استدرجهم حتى وصلوا إلى ميدان المعركة، وجاء بالمشركين، وكانوا ألفاً معهم السلاح، مستعدين للقتال بسلاحهم وعددهم، لكن الله جعله يوم الفرقان لا لأنهم جمعوا عَدداً، ولا لأنهم جمعوا عُدداً، ولكن لأنهم جمعوا الإيمان والتقوى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات}(النور/55).

 

فتحقق وعد الله يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وأنزل الله ملائكته يحاربون إلى جوار المسلمين، يُثَّبتون الذين آمنوا، ويُلْقي الله الرعب في قلوب الكافرين، فيكون النصر من الله رب العالمين لرسوله ومن آمن معه.

 

وتبقى مكة في حرب مستمرة مع المسلمين في المدينة، من الهجرة وحتى آخر العام السادس، حيث يُرِي رب العزة نبيّه صلى الله عليه وسلم رؤيا يرى فيها أنه يطوف بالبيت آمناً وادعاً، ويطوف أصحابه، ويحلقون ويُقَصِّرون، وَيَتَسَلَّمَ النبي [ مفاتيح الكعبة، والمسلمون يعلمون أن ذلك وعدٌ حقٌّ من الله؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ صادق، وأمر واجب، وقَدَرٌ نافذ، فيسرع المسلمون بالخروج مع النبي [ معتمرين مُلَبِّين، فَيُحْدث الله عز وجل حَدَثاً غير الذي خرجوا له، يحدث لهم صُلْحاً يُسَمِّيه رب العزة فتحاً مبيناً: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}(الفتح/1)، ذلك لأنهم بايعوا تحت الشجرة على الإيمان، فكان أفضل مواقف المسلمين، حيث بُشِّر بالجنة من شهدها.

 

جاء المسلمون إلى مكة وقد لبسوا ملابس الإحرام، ولَبُّوْا بالعمرة لله رب العالمين، وساقوا معهم الهدي، فإذا بقريش تقف لتصدهم عن البيت الحرام، فمالوا حتى يبتعدوا عن طريق جيش قريش الذي يريد أن يصدهم، فلما بلغوا الحديبية بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أراده رب العزة سبحانه لخير قريش وتمكين المسلمين فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة والصلح، وأرسل عثمان يفاوض عنه أهل مكة، ولكن شاع الخبر أن عثمان قتل، فاشتد الأمر على المسلمين، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على القتال والموت، بايعوا على ألا يفروا، وفي جانب قريش تقوم اجتماعات مكثفة، وتستعين فيها بالمشركين مفاوضين من مختلف القبائل التي تحيط بمكة، فهذا ثقفي، وآخر من الأحابيش كل يفاوض نائباً عن قريش يتكلم باسمها. فيفكر المسلمون؛ أقُتِل عثمان أم لم يقتل؟ ويفكرون هل سيعتمرون أم سَيََُصَدّون عن البيت ويرجعون بغير عمرة ؟ هل سيقاتلون أم لا يقاتلون؟ وإذا قاتلوا هل يُنْصرون أم يُهزمون؟ وهل سيعاهدون أم يعودون بغير معاهدة؟ كل هذه تشغل بال كل مسلم من الذين عسكروا في الحديبية، وقد طال بهم الحصر، والدار ليست دار مقام، فإذا بالسماء تُمْطر من الليل، ويصبحون ليؤدوا صلاة الصبح خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأوا أثر المطر، فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يستقبلهم ويسأل: أتدرون ما قال ربكم الليلة ؟ فقالوا الله ورسوله أعلم، وكأني بهم ينتظرون أن يقول، قال ربكم الليلة لم يُقْتل عثمان، أو قُتِل عثمان، لأن ذلك يشغل بالهم، وهو سبب بيعة الرضوان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده يضرب بها على الأخرى صلى الله عليه وسلم وهذه لعثمان أي أنه يبايع بيده اليسرى على اليمنى بدلاً من يد عثمان بيعة عنه كأنه شهدها وهو غائب، أو قال ربكم ستنتصرون أو تنهزمون، أو قال ربكم ستعاهدون أو لا تعاهدون، أو قال ربكم الليلة ستعتمرون أو سَتُصَدُّون، كل ذلك لأنه مُقْتَضَى الحال، والأمر الذي يشغل البال، فيكون عليه مدار التفكير، ومن عجب أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال ربكم الليلة: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما مَنْ قال مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا ونوء كذا فهو كافرٌ بي مؤمن بالكوكب، وأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب»(متفق عليه)، كأنهم وهم في هذه الشدة والضنك والألم الشديد الذي ينتظرون له تفريجاً يصحح لهم رب العزة قولهم أمطرنا بنوء كذا ونوء كذا. انتبهوا إخوة الإسلام فهذه هي عوامل النصر التي إن حققناها وقع النصر من الله بغير تأخير. انتبهوا: إنَّ الإيمان هو المقصد، فلا يعلو عليه شيء، ولا يُقَدَّمُ عليه أمرٌ. ذلك دين الله الذي ينصر الله من تَمَسَّك به: عقيدة صحيحة، وعبادة مشروعة.

 

وعد الله للذين آمنوا!!

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفضل خلق الله يُصَدُّ عن بيت الله، ويبقى أياماً طويلة في عناء وشدة هو وأصحابه المؤمنين المجاهدين حتى تتم المعاهدة، ويُوَقِّعَ هذه المعاهدة التي يرى المسلمون فيها جوراً شديداً يودون أن يقاتلوا ولا توقع هذه المعاهدة، فيزداد الأمر عليهم شدة بتوقيعها، ولكن الله يجعل في المعاهدة نصراً وفتحاَ مبيناً، مع أنهم قد اشتد عليهم أن يقال (ترجعوا عنا عامكم هذا)، ويشتد عليهم أيضاً أن يقولوا: (من جاءكم بغير إذن وليه تَرُدُّوه ومن جاءنا لا نَرُدُّه)، جَوْرٌ وصَلَفٌ وظلم وتَبَجُّحٌ، وسُهيل بن عمرو هو الذي أملى هذه الفقرات من تلك المعاهدة، إلا أنه يمليها لحاجة في نفسه لا لصالح قريش التي جاء عنها نائباً مُتَحَدِّثاً معاهداً، والله يحقق قدره، وينصر المسلمين، فحاجة سهيل بن عمرو تظهر عندما نعلم أن لسهيل ولدان: أحدهما عبدالله وهو مسلم يجاهد في صفوف المسلمين يَوَدُّ أن يرجع إليه فلا يرده للمسلمين، والآخر مُكَبَّلٌ في قيوده في بيت أبيه سهيل هو أبو جندل الذي صار مسلماً يريد إن فك القيود وذهب إلى المسلمين أن يردوه، فوضع ذلك القيد في العقد وبنقله ذلك القيد إلى العقد نقله من رجلي ولده ليضعه في المعاهدة وعاد يظن أنه قد انتصر، وقدَّر الله أن تُفَك القيود من أرجل المسلمين المستضعفين تحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل بن عمرو: ارجع فسيجعل الله لك ولأصحابك فرجاً، فَفُكَّتِ القيود، وخرج جمع من المسلمين من القيود، فوجدوا مكة تفتنهم والمدينة لا تحتضنهم، فيرون طغياناً من قريش، فخرجوا غضباً عليها، ووقفوا على ممر تجارة قريش يقطعونها، وقريش بلد غير ذي زرع لا تتحمل الحصار، فاستغاثت قريش بالمسلمين تقول لهم: اقبلوا هؤلاء، وتنازلوا عن هذا البند من بنود العقد، فما أملاه سهيل بن عمرو إلا لحاجة في نفسه، وجعلها الله فرجاً ومخرجاً للمسلمين وفتحاً مبيناً لهذا الدين.

 

انظر فهذا فتح الله للمؤمنين لأنهم آمنوا وأذعنوا وأطاعوا وعرفوا أن النصر بيد الله رب العالمين.

 

الصلاة فرض على المسلمين

 

بعد غزوات طويلة غزوة حنين، ويعود النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في طريقه إلى مكة ويسير بهم ليلاً طويلاً حتى أرهقهم السفر فيقولون له: إنهم يحتاجون إلى الراحة يا رسول الله، لو عَرَّسْتَ بنا -يعني لو نزلت بنا لننام ونستريح - فقال: أخاف أن تفوتكم الصلاة، تَعَّجب، يخاف أن تفوتهم صلاة واحدة مع أنهم كانوا في جهاد طويل شديد شاق لا يشفع لهم ذلك أن يناموا عن صلاة واحدة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم في طريق عودتهم من حنين، وقد اشتد عليهم السير: أخشى أن تفوتكم الصلاة فأنتم بالصلاة مكلفون، وبالإيمان مكلفون، وبدعوة التوحيد مكلفون، فإن أنتم قمتم بما أنتم به مكلفون فإن رب العزة يحقق لكم وعده، وينصركم على أعدائكم، ويفتح لكم الأرض التي أُغْلِقَت عليكم؛ لأن الله عز وجل هو الذي ينصر جنده، ينصر من يشاء.

 

ثم لا بد أن ننظر إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فنرى أن رب العزة ينصره بالإيمان، وحياته كلها واضحة التفاصيل في ذلك، وإن منها غزوة الأحزاب التي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يردد بعدها: لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. القوم أخذوا عُدَّتَهُم بما استطاعوا وخرجوا يجاهدون في سبيل الله بما استطاعوا، لكن النصر من عند الله رب العالمين، ينصر من يشاء.

 

حماية الله للمسلمين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم

 

وما إن مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى وجد المنافقون الفرصة سانحة لينقضوا على قيادة المدينة فيأخذوا قيادتها ليقودوا المسلمين كما شاءوا، ولكن ييسر الله عز وجل على لسان عمر بن الخطاب كلمات أخطأ فيها، واعتذر عن قولها في اليوم التالي، تلك الكلمات التي أخطأ عمر بقولها جعل الله عز وجل بها نصراً وفرجاً ومخرجاً، يقف عمر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم مسجى في ثوبه يرقد على سريره، قد فاضت روحه إلى ربه يقول بسيفه: من قال إنَّ محمداً قد مات ضربتُ عنقه، والله ما مات ، وإنما ذهب إلى ربه ، وسيعود ليقضي على هؤلاء المنافقين. فعلم المنافقون أن رقابهم مقصودة، وأن تحركاتهم مرصودة، فلزموا بيوتهم، ولم يتحركوا حتى استتب الأمر للمسلمين، وفي ذلك تقول عائشة -رضي الله عنها- ما أخرجه البخاري في صحيحه: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أبو بكر خطبة، وخطب عمر خطبة فما كانت من خطبتيهما من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوِّف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقاً فردهم الله بذلك. يعني أن الله ألقى على لسان عمر كلمات خَوَّفَتِ المنافقين.

 

الله أكبر: إنه الإيمان ينصر به الله أهله، إنه الإيمان الذي أضعناه فغيّّر الله عزّنا إلى ذل، ونصرنا إلى هزيمة، وقوتنا إلى ضعف، نحن لسنا في العدد قليلين، بل كثيرين، ولكن أين الإيمان ؟ هل تذكرون أن المسلمين دخلوا إلى غزوة حنين بعدد لم يدخلوا إلى غزوة قبله بعدد مثله، فقال بعضهم : لن نُغْلَبْ اليوم من قِلَّة، فكان أن جعل الله رماح المشركين تردهم فينفضوا وهم بضعة آلاف ولا يبقى إلا مئة من المؤمنين حول النبي صلى الله عليه وسلم يشرفهم الله بنصره؛ لأن الله ينصر بالإيمان لا بالعَدد ولا بالعُدد.

 

الانحراف عن الطريق:

 

إخوة الإسلام...

 

كثيراً ما نفرط في أمر الاعتقاد ونقول دعونا من تصحيح الإيمان، المسلمون يُذْبَحون وأنتم تجلسون في المساجد وتقولون للناس قولوا لا إله إلا الله، المسلمون تُستباح أعراضُهم وأنتم تقولون للناس لا تُنْذرْ إلا لله، ولا تَدْعُ إلا الله، ويقولون نريد أن نجمع كلمة المسلمين وأن نُوَحِّد صفهم، وأن نواجه عدوهم. فهذه أموال المسلمين يتحكم فيها الكفار، لا بد أن ننبه المسلمين لينتزعوها حتى لا يتقوّى بها عدوهم، ليس هذا هو طريق المسجد الأقصى، ولا هو طريق عز المسلمين، ولا طريق عودة مجدهم، ولا طريق التمكين لهم؛ لأن المسلمين ما انتصروا في يوم من الأيام بعدد وفير، ولا بعُدة كثيرة إنما النصر من عند الله رب العالمين، ينصر من يشاء.

 

وينبغي أن نتساءل عن كل بقعة أصاب المسلمين فيها ذل فسُفٍكت دماؤهم، واستُبيحت أموالهم، وهُتِكَت أعراضهم، وشردوا من ديارهم، هل أصاب المسلمين الذلَ والهوان أولاً ؟ أم أنهم تركوا التَّمَسُّك بدينهم وإيمانهم أولاً ؟!! إنه مما لا شك فيه ولا مراء أنهم إنما تركوا دينهم وإيمانهم أولاً، ثم نتذكر أن الله عز وجل قال: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد/11)، فلماذا نريد أن يغير الله عز وجل واقعنا من ذل إلى عز، ومن هزيمة إلى نصر بغير أن نغير ما بأنفسنا من معاصي وشركيات ومخالفات إلى طاعة وتوحيد وإيمان، لابد أولاً أن نعرف الله رب العالمين، لابد أن نعلم أن رب العزة يَنْزِلُ إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل في كل ليلة وينادي : من يدعوني فأستجب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟(متفق عليه) فهل غلبنا شهوة النوم وقمنا نصلي لله بجباه ساجدة، وبأعين دامعة، نضرع إلى الله رب العالمين نسأله النصر والتمكين، هل تغلبنا على شهوة النوم، فقمنا استجابة لله وهو ينادينا: مَنْ يسألني.. مَنْ يدعوني، أم غلبتنا شهوة النوم فنحن في نوم عميقِ؟!!

 

إن للنصر أسباباً وضعها رب العزة سبحانه، وأهم أسباب النصر: الإيمان والدعاء وتوحيد الله ومعرفته والقيام بأوامره.

 

مثال صارخ:

 

في رجب من سنة 1388هـ الموافق سبتمبر سنة 1968م انعقد المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في القاهرة من أجل مؤازرة الكفاح ضد اليهود وقد قال أمين المجمع: قدم الأعضاء لمجمع البحوث إنتاجاً علمياً جليل القدر عظيم النفع، يرتبط أوثق الارتباط بالحياة العلمية والعملية للمسلمين.

 

وقد شهد المجمع إثنان وثمانون من العلماء أعضاء المجمع ومن الممثلين للإسلام في بلاد الدنيا، وقدم أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية كلمة عنوانها: مكانة بيت المقدس في الإسلام، قال في آخرها:

 

(كيف تقابلون وجه الله يوم القيامة؟ وهل تتركون الكعبة المشرفة وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم عرضة للغزو والدمار؟ يا سيدي يا رسول الله يا أبا القاسم، إني أتوجه إليك في هذه الساعة الحرجة من تاريخ أمتك، وقلبي يقطر دماً، أغثنا يا رسول الله، املأ قلوبنا بالإيمان وحد صفوفنا، إنا نبايعك على أرواحنا وأولادنا وأموالنا، إن مسراك ومعراجك وقبلتك الأولى، ومساجد يذكر فيها اسم الله واسمك تشكو وتستغيثه

 

على قبة المعـــراج والصخرة التي .. تفاخــر ما في الأرض من صخـرات

 

مدارس آيـــات خلت من تـلاوة .. ومنـزل وحــي مقفـر العرصــات

 

فشد عزائمنا يا رسول الله، إنا نريد أن نموت ليعلو اسم الله ولترفع تكبيرات المؤمنين على المآذن بـ (الله أكبر ... الله أكبر).

 

يا أبا القاسم يا رسول الله، أغثنا لا تتخل عنا فنحن لن نتخلى عنك قدنا إلى الجهاد. خير لنا أن نموت دفاعاً عن مقدساتنا وأعراضنا وأوطاننا التي انتهكت من أن نحيا عبيداً أذلاء: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}(التوبة/111) اهـ).

 

انظر إلى هذه الكلمة من هذا العضو في مجمع علمي، وتدبر كيف يكون النصر. شهد هذه الكلمات علماء الأزهر وشيوخه ووفود بالمئات وهو يدعو من دون الله دعاءً هو عين الشرك الأكبر الذي بعث الله الرسل للقضاء عليه، فهل يعود بيت المقدس بذلك، وإن عاد أفتكون عودته للإسلام والمسلمين أم أنها للشرك الصريح. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

نعلم إخوة الإسلام أن النصر لا يكون إلا بالأيدي المتوضئة وبالجباهِ الساجدة وبالإيمان القويم، بالذين يعلمون أن الرزاق هو الله. تذكروا حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته»(رواه أبو نعيم في الحلية). فالنصر رزق عزيز من الله الرزاق ذي القوة المتين، لا شك إنه ليس إلا عند الله رب العالمين، وقد استبطأنا النصر أن يأتينا وإن كان ذلك العمر الذي وقعت فيه الهزيمة في عرف الزمان قليل لكننا قد استبطأناه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله».

 

فلا بد أن تتجمع الوفود تحت كلمة الله لا تحت تراب نتداعى إليه ولا تحت شعارات ليس لها في الإسلام من نصيب. لو عاد المسجد الأقصى بهذا فكأنه ما عاد، بل قد بقي سليباً.

 

ونتذكر مرة أخرى أن الله أنزل: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}(الفتح/1)، ولم يكن المسجد الأقصى يومها من ديار المسلمين ولا تحت سيطرتهم، ولا دخل إلا والمسلمون في عز وتمكين، فوالله إني لأعجب من عمر والذي فتح الله له بيت المقدس وغيره من البلاد يرسل إليه عمرو بن العاص رسالة يطلب فيها أن يُركب المسلمين البحر ليغزو بلاد الكفر فيما وراء البحر، فيرسل عمر إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله صف لي البحر، هذا عمر خليفة المسلمين لا يعرف البحر، نعم إنه لا ينتصر بمعرفة البحار، إنما ينتصر بمعرفة الله رب البحار رب السماوات والأرض وما فيهن، فعمر إن كان لا يعرف البحر، فإنه يعرف رب البحر، إنما ينتصر بمعرفة رب العالمين يسجد له، يعرف أن النصر ليس إلا من عند الله فهو يصلي له ويعبده يعلم أن رب العالمين سبحانه وتعالى ينصر الجند بالإسلام ينصر الجند بالإيمان وبالتقوى وبعمل الصالحات.

 

قوة الإيمان:

 

إخوة الإسلام... إن رب العزة سبحانه وتعالى وعده حق وصدق، ولكن لا بد أن نحقق الشرط في أنفسنا فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز.. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان(رواه مسلم). هذا الحديث المبارك فيه إرشاد كريم وتعليم قويم، لكن ما هي القوة المطلوبة في هذا الحديث:

 

المؤمن القوي، تعني القوي في إيمانه الذي يستعد بما استطاع من قوة مادية (قوة بدن، وعدد، وسلاح)؛ لأنها أمر من أوامر الدين، والإيمان، لا لأنه ينتصر بقوة السلاح، ولا لأنه ينتصر بالعدَد والعُدَّة، بل لأن النصر من عند الله ينصرُ رُسُلَهُ وينصر المؤمن، فالعدة الأساسية هي الإيمان.

 

أخوة الإسلام... اعلموا أنه لا يرجع بيت المقدس، ولا المسجد الأقصى إلا بجباهٍ ساجدة، وقلوب موحدة، قلوب تعرف ربها فتلجأ إليه، وتضرع وتعلم أن العُدة سبب، وأن العدد سبب، وأن الله إن شاء جاء بالنصر ولو مع قلة في هذه الأسباب، وإنما الذي علينا أن نعلم أن الله غني عن جهاد المجاهدين، وأن من جاهد فإنما يجاهد لنفسه. اقرأ قول الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله}(التوبة/40) واعلم أنها جاءت من الله تهديداً للمسلمين إذا قعدوا عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم فالله ينصره وكذلك الله ينصر الإسلام بنفسه، ولو قعدنا عن نصره، يعني: إن بقينا في معاصينا مخلدين وإن بقينا في غينا سادرين؛ وإن بقينا لا نعنى بالتعرف على الله رب العالمين، إن بقينا نهجر التوحيد، ونهجر الطاعات، فإن رب العزة سبحانه وتعالى يقول: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}(محمد/38).

 

فالمسجد الأقصى عائد ولابد، ولكن بيد من؟ بيد المتوضئين، بيد المصلين، بيد الموحدين؛ لأن النصر موعود الله لهم: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم}(النور/55)، وهي مفسرة بالآية الأخرى: {ورضيت لكم الإسلام ديناً}(المائدة/3)، الإسلام الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

أخوة الإسلام... الجراح شديدة، والآلام كثيرة، ولكنني أخاف على هذه الجراح أن تنسينا دعوة الإيمان، وأن نظن أن دعوة التجمع والوحدة ودعوة الإكثار من السلاح والعدد والعدة هي سبب النصر، وننسى أن نصر رب العالمين إنما يقع بالإيمان، أقول المقولة التي تُنْسَبُ إلى بعض الكافرين:

 

(ينتصر المسلمون ويفتحون بيت المقدس إذا ساوى عددُ من يُصَلون الفجر الذين يُصَلون الجُمُعَة).

 

المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين:

 

وهذه فقرات من أقوال أهل السنة في المسجد الأقصى غالبها من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية، نسوقها بياناً لما ينبغي أن يعتقده المسلم في شأن المسجد الأقصى:

 

والمسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام، وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصَلَّى الذي بناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقدمه، والصلاة في المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس، وكان على الصخرة زُبَالَةٌ عظيمة؛ لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها، فأمر عمر رضي الله عنه بإزالة النجاسة عنها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مُصَلَّى المسلمين، فقال: خلف الصخرة، فقال: يا ابن اليهودية خالطتكَ يهودية، بل أبنيه أمامها، فإن لنا صدور المجالس، ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد أدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر.

 

اتفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه، كالصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن، والاعتكاف؛ لحديث الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»(متفق عليه).

 

وقد روى الحاكم في صحيحه أن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثة: «ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكماً يوافق حُكْمه، وسأله أن لا يَؤُمَّ أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له». ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي إليه فيصلي فيه ولا يشرب فيه ماء، لتصيبه دعوة سليمان، لقوله: «لا يريد إلا الصلاة فيه». فإن هذا يقتضي إخلاص النية في السفر إليه ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة.

 

والمسجد الحرام أفضل المساجد، ويليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه المسجد الأقصى، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام». ولهذا لا يجوز تغير واحد من هذه المساجد الثلاثة من موضعه، وأما سائر المساجد ففضيلتها من أنها مسجد لله، وبيتٌ يصلى فيه، وهذا قدرٌ مشترك بين المساجد.

 

والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر المساجد، إلا المسجد الحرام، فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد الطواف بالكعبة، و استلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود، وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به، ولا فيها ما يتمسح به، ولا ما يقبل، فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، ولا بصخرة بيت المقدس، ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها، بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة.

 

ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة صلى بالمسلمين ثمانية عشر شهراً إلى بيت المقدس، فكانت قبلة المسلمين هذه المدة، ثم إن الله حول القبلة إلى الكعبة، وأنزل الله في ذلك القرآن، كما ذكر في سورة البقرة، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى الكعبة، وصارت هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء.

 

فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة ولكن الله نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة، والطواف بغير الكعبة لم يشرع بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنماً أو بقراً ليذبحها هناك، ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد أو أن يسافر إليها يوم عرفة، فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس بالبيت الحرام بمكة في الوقوف، والطواف، والذبح، والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئاً من ذلك معتقداً أن هذا قربةً إلى الله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما لو صليت إلى الصخرة معتقداً أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة، ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدمة المسجد الأقصى.

 

وأما الصخرة فلم يُصَلِّ عندها عمر رضي الله عنه، ولا الصحابة، ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان، وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يُعَظِّمُون الصخرة، فإنها قبلة منسوخة، كما أن يوم السبت كان عيداً في شريعة موسى عليه السلام ثم نسخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة ، كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يُعَظِّمُها اليهود، وبعض النصارى.

 

وما ذكره بعض الجُهَّال من أن هناك أثر قَدم النبي صلى الله عليه وسلم وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب، وأكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - وكذلك المكان الذي يذكر أنه مهد عيسى عليه السلام كذب، وإنما كان معمودية للنصارى، وكذلك من زعم أن هناك الصراط والميزان، أو أن السور الذي يُضْرب به بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد.

 

وليس في بيت المقدس مكان يقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى، فمن زار قبور الموتى، وسلم عليهم، وترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعَلِّم أصحابه فحسن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات، وإن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم».

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0