2/6/2008


ثورة البراق


   بعد تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى فاق عددهم مائة ألف منذ الانتداب البريطاني وحتى بداية 1929م ، عدا الآلاف الأخرى من المتسللين غير الشرعيين  ، بتسهيلات وافرة من حكومة الانتداب ، وفي تلك الفترة علت صيحات اليهود المطالبة بالحائط الغربي للمسجد الأقصى " حائط البراق " ، والذي يطلق عليه اليهود " حائط المبكى " ، وازداد عدد اليهود عند ذلك الحائط ، وأصبحت ممارساتهم أكثر جرأة لإقامة طقوسهم الخرافية ونفخوا في الصور وأحضروا المقاعد والكراسي والموائد والمصابيح، وهكذا حولوا المكان بحيث يحسبه الناظر كنيساً يهودياً ، وخشي المسلمون أن يظل اليهود على هذه الحال فيكون ما فعلوه مكتسباً لهم مع مرور الزمن ، فغضب المسلمون ، وعقدوا المؤتمرات ، وشكلوا اللجان " لجنة الدفاع عن البراق الشريف "،  وأعطيت قضية البراق بعداً إسلامياً ، بعد أن انتشر خبر نوايا اليهود الحقيقية تجاه هذا الحائط .

   وفي تلك الفترة أخذ اليهود يعلنون بصراحة عن ما يسمى بحقوق لهم في المسجد الأقصى وحائط البراق ، وشهد الموقف تصعيداً خطيراً من جانب اليهود خصوصاً أثناء المؤتمر الصهيوني العالمي في زيورخ بسويسرا ( 28 يوليو 11 أغسطس 1929 م ) . حيث كانت قضية حائط البراق القضية الرئيسة في المؤتمر .

   وفي يوم 14 أغسطس 1929 م نظـم اليهود مظاهـرة ضخمة في تل أبيب بمناسبة ذكرى" تدمير هيكل سليمان" أتبعوها في اليوم التالي بمظاهرة كبيرة في شوارع القدس لم يسبق لها مثيل شارك فيها الآلاف منهم ، حتى وصلوا إلى حائط البراق وهناك رفعوا العلم الصهيوني وأنشدوا أناشيدهم الدينية وأخذوا يهتفون " الحائط حائطنا .. والويل لمن يدنس أماكننا المقدسة" ، وشتموا الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام والمسلمين مما استفز مشاعر المسلمين وهيج عواطفهم .

   وفي اليوم التالي ( 12 ربيع الأول 1348 هـ ) الموافق ( 16 أغسطس 1929 م ) خرج المصلون بعد صلاة الجمعة من المسجد الأقصى في مظاهرة ضمت الآلاف من أهالي القدس والقرى واتجهوا نحو حائط البراق ، وحطموا منضدة لليهود كانت موضوعة فوق الرصيف ، وأخرجوا الاسترحامات التي وضعها اليهود في خروق الحائط وأحرقوها ، وفي 17 أغسطس حدث اشتباك بين مجموعة من المسلمين وأخرى من اليهود أدى إلى جرح 11 شخصاً من الجانبين ووفاة رجل واحد من اليهود ، فسارعت سلطات الانتداب إلى اعتقال عدد كبير من المسلمين مع زمرة قليلة من اليهود .

   وفي يوم الجمعة 23 / 8 / 1929 م تدفق أهالي القرى إلى القدس بأعداد كبيرة بعد أن تواترت الأخبار عن نية اليهود لشن هجوم على حائط البراق واحتلاله لتثبيت حقهم في ملكيته ، وخرجت جموع المصلين من المسجد الأقصى ليجدوا أمامهم تجمعاً يهودياً يتحداهم ، ووقع الصدام بين الطرفين ، وفتحت شرطة الانتداب النيران على العرب ، وامتد الصدام إلى ضواحي المدينة ، وسرى هذا الهياج إلى القرى المجاورة ، وانتشرت أخبار الصدامات في كل فلسطين ، فعمتها المظاهرات وتفجرت الثورة في أرجائها ، وفي اليوم التالي قتل في الحي اليهودي في الخليل أكثر من 60 يهودياً ، وهاجم المتظاهرون في نابلس أحد مراكز الشرطة ، فنشبت اضطرابات عنيفة بسبب إطلاق الشرطة النار على الجمهور وامتدت الاضطرابات إلى بيسان وحيفا ويافا ، وهناك في يافا اقتحم اليهود وعلى رأسهم شرطي يهودي اسمه "جانكيز" بيت إمام مسجد ، فقتلوه وبقروا بطنه وحطموا رؤوس ابن أخيه وزوجته وابنه ، كما هاجم اليهود مقبرة للمسلمين وعبثوا في القبور ، ودمر المسلمون من جهتهم ست مستعمرات يهودية تدميراً تاماً .

   وفي صفد شاع الخبر بأن اليهود اعتدوا على المسجد الأقصى وهدموه وأحرقوه ، فثار المسلمون ، وهاجموا الحارة اليهودية في صفد ، ووصل عدد القتلى اليهود إلى 20 وجرح حوالي 25 ، وأحرق ودمر حوالي مائة بيت ، وتفاعلت أحداث البراق خارج فلسطين فقامت المظاهرات الاحتجاجية والتضامنية في الدول العربية المجاورة ، وأخذوا يتهيأون للزحف نحو فلسطين والاشتراك في واجب الجهاد .

  وأوقفت سلطات الانتداب المئات من الشباب العربي المسلم واعتقلتهم إثر ثورة البراق وأصدرت بحقهم أحكاماً قاسية فصدر 25 حكماً بالإعدام نفذ في ثلاثة منهم ( فؤاد حجازي ، عطا الزير ، محمد جمجوم ) وبلغ عدد من حكم عليهم من العرب ما مجموعه 792 رجلاً ، وحكم على قرى عربية كثيرة بدفع الغرامات ، ووضع أكثر الوجهاء تحت الإقامة الجبرية ، أما الأحكام على اليهود فقد تميزت باللين ، فقد حكم على عدد قليل منهم أحكاماً مخففة ، وحكم على يهودي واحد فقط بالإعدام ، وهو الشرطي "جانكيز" قاتل إمام المسجد وعائلته ، ثم خفف الحكم إلى المؤبد ، ثم خفف إلى 15 عاماً ّ! ثم عفي عنه !

   وشكلت الحكومة البريطانية لجنة تحقيق في أحداث البراق تقدمت بعدها بتوصية إلى عصبة الأمم المتحدة لتأليف لجنة لهذا الغرض ، فوافقت ، ووصلت اللجنة المشكلة إلى القدس في 19 يونيو 1930 وأقامت شهراً ، وعقدت خلال إقامتها 23 جلسة أبرز المسلمون خلال الجلسات 26 ، وثيقة وأبرز اليهود 35 ، وثيقة وقد انتهت اللجنة في تقريرها في ديسمبر 1930 ، ووافقت بريطانيا وعصبة الأمم على استنتاجها فأصبحت بالتالي وثيقة دولية مهمة وتلخصت استنتاجاتها في أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ، وهو جزء لا يتجزأ من ساحة المسجد الأقصى الشريف التي هي من أملاك الوقف ، وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لأنه وقف أيضاً.

 

  وهكذا كانت ثورة البراق ثورة إسلامية حركها المسلمون لحماية مقدساتهم ، ووقف الزحف اليهودي على القدس ، وحلقة من حلقات الصراع بين المسلمين واليهود والتي لن تنتهي إلا بقتال اليهود وقتل آخرهم مع الدجال

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0